الضفة الغربية في عقيدة "المحو" الصهيونية

نادية سعدالدين
لن يترك «نتنياهو» مدخلا حتى لو كان موارِبا إلا ويستغله لبسط سيادة الكيان المُحتل الكاملة على الضفة الغربية، التي تُعد ظهيرا استراتيجيا مُلحا لأمنه وضمان بقائه، مع ثقل مناطق القدس وغور الأردن والكتل الاستيطانية بالنسبة إليه كما حددها «جابوتنسكي» مُلهم التيار اليميني المتشدد، مثلما تشكل ركنا أساسيا في نمذجة «أساطير» السردية الصهيونية حول «أرض إسرائيل الكبرى» أو «التاريخية» و»الدولة اليهودية النقية»، بوصفها ديدن استمرارية هذا الكيان المُصطنع.
ومن ثنايا تلك الرؤية الصهيونية الزائفة؛ تأتي خلفية قرارات الاحتلال الأخيرة «لشرعنة» ضم الضفة الغربية كجزءٍ حيوي من مخطط أوسع تصاعدت أطر تنفيذه بوتيرة أكثر عنفا ومنهجية منذ بدء حرب الإبادة ضد قطاع غزة، في 7 أكتوبر 2023، كاستمرار «لبنية» استعمارية مُنظمة وممتدة منذ ما قبل عام 1948، بهدف خدمة المشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الصهيوني في فلسطين المحتلة.
إن ما يحدث في الضفة الغربية حاليا يُعد تطبيقا صهيونيا أمينا لنهج اجتثاث الفلسطينيين من أرضهم و»محو» وجودهم وذاكرتهم المكانية وهويتهم الوطنية، من خلال إعادة هندسة الحيز الجغرافي والديموغرافي الفلسطيني بأدوات عسكرية وقانونية وإدارية واقتصادية، مُمنهجة، سبيلا لتصفية القضية الفلسطينية، وفق الرؤية الصهيونية.
ويستلهم «نتنياهو» سياسته العدوانية في الضفة الغربية من أفكار الأب الروحي للدراسات الاستيطانية الحديثة المؤرخ «باتريك وولف» الذي صاغ نظريته حول «منطق المحو» (Logic of Elimination) كمحرك استعماري أساسي لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين، أو العدد الأكبر منهم على الأقل، وإحلال جماعات المستوطنين مكانهم، كأفضل وصفة جاهزة للتهجير. لكن «نتنياهو» بصفته التلميذ النجيب لأستاذه «جابوتنسكي» صاحب مشروع إقامة «دولة يهودية ممتدة على ضفتي نهر الأردن»، يُكسب طروحات «وولف» منظورا صهيونيا خالصا بأدوات أشد فتكا وتطرفا.
يتصور التيار اليميني المتطرف، الغالب داخل الكيان الصهيوني، أن نتيجة سياساته في الضفة الغربية ستؤول إلى مشهد تهجير الفلسطينيين نحو الأردن، مما يُفسر وحشية اجراءات الطرد وهدم المنازل ومصادرة الأراضي والتضييق المعيشي وإطلاق يد المستوطنين عنفا وخرابا، لتثبيت وقائع ميدانية مغايرة ومنع إقامة كيان فلسطيني متصل، في ظل غياب المساءلة الدولية حيال جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، وفق القانون الدولي.
وسعيا لمعادلة «الإزالة»/ «الإحلال» في الضفة الغربية؛ ينفذ الاحتلال مخططا «إقصائيا» لا يقتصر على ارتكاب المجازر الدموية والإبادة والتدمير، فقط، بل يتغلغل أيضا في مختلف الجوانب الحياتية، من أجل:
أولا: تثبيت السيادة على الأرض؛ وهنا يضحى التهجير وسيلة أساسية لتحقيق التجانس الجغرافي للمستوطنين وضمان بقائهم وسيادتهم.
ثانيا: توظيف القانون كأداة تهجير «شرعية» تخدم المشروع الاستيطاني. إذ يستخدم الاحتلال الأدوات القانونية والإدارية الاستعمارية لتحويل التهجير من جريمة إلى «إجراء قانوني»، أسوة بما يحدث الآن من خلال تزوير قوانين الملكية والأراضي عبر «قانون أملاك الغائبين» لمصادرة الأراضي الفلسطينية والاستيلاء عليها، فضلا عن قوانين التخطيط العمراني عبر عرقلة البناء الفلسطيني في المنطقة «ج»، الغنية بمواردها الطبيعية والاقتصادية وتشغل زهاء 61 % من مساحة الضفة الغربية، وتسريع وتيرة هدم المنازل الفلسطينية بحجة عدم الترخيص، ومحاولة إعادة رسم الهندسة الديموغرافية في القدس المحتلة، ضمن سياسة التهجير الصامت أو ما يسمى بالناعم.
كما يسعى الاحتلال لتحويل القرى والمدن الفلسطينية إلى «كانتونات» معزولة بالجدران والحواجز العسكرية، لقتل فرص التطور الاقتصادي والاجتماعي والعمراني الفلسطيني.
ثالثا: مفهوم «الترانسفير» الناعم؛ حيث يسعى الاحتلال لفرض الضغوط المعيشية القاسية والقيود القانونية، مثل نقص تصاريح البناء والحصار، لجعل الحياة غير ممكنة وطاردة للوجود الفلسطيني.
رابعا: تفكيك الهوية؛ من خلال ربط اقتلاع السكان من أرضهم بمحو تاريخهم وعلاقتهم بالمكان، مما يجعل التهجير عملية سوسيولوجية ونفسية وليس انتقالا جغرافيا فقط.
ولا تعمل هذه الأدوات بشكل منفصل؛ فالقانون عند الاحتلال «يُشرعن» الهدم، وجيش الاحتلال يحمي المستوطن الذي يستولي على الأرض الفلسطينية، بينما الرواية الصهيونية الزائفة تُبرر كل ذلك الفعل دوليا.
ورغم أن غياب المساءلة الدولية يُشجع الاحتلال على تنفيذ مخطط التهجير؛ إلا أن هذا المسار ليس حتميا بالضرورة، فكما فشل في قطاع غزة بفعل الصمود الفلسطيني الأسطوري وصلابة المقاومة وثبات الموقف الأردني والمصري المُضاد، فسيجد نفس المصير بالضفة الغربية، حتى وسط ازدواجية المعايير لدى المجتمع الدولي وتخاذله
















