اللواء المتقاعد طارق الحباشنة :- رفع سن التقاعد في الأردن: معادلة دقيقة بين الأرقام وواقع الناس قراءة متوازنة في تحديات الاستدامة المالية ومتطلبات العدالة الاجتماعية وسوق العمل

يعود ملف رفع سن التقاعد في الأردن إلى واجهة النقاش العام، بين اعتبارات الاستدامة المالية ومخاوف العدالة الاجتماعية. في هذه القراءة المتوازنة، نؤكد أن نجاح أي إصلاح مرهون بتحقيق توازن حقيقي بين متطلبات الأرقام وواقع المواطنين.
أعاد طرح توصية رفع سن تقاعد الشيخوخة إلى 63 عامًا للذكور و58 عامًا للإناث إلى الواجهة واحدًا من أكثر الملفات حساسية في الحياة العامة الأردنية، نظرًا لارتباطه المباشر بمنظومة الضمان الاجتماعي، وما يمثله من أثر على شعور المواطن بالأمان والاستقرار بعد سنوات طويلة من العمل. وبين من يرى في التوصية ضرورة مالية، ومن ينظر إليها كعبء اجتماعي إضافي، يتسع النقاش وتتعدد زوايا النظر.
لا خلاف على أن منظومة الضمان الاجتماعي تواجه تحديات حقيقية، وأن الحفاظ على استدامتها المالية يُعد مسألة وطنية بالغة الأهمية، في ظل ارتفاع متوسط العمر المتوقع وتغير هيكل سوق العمل. غير أن جوهر النقاش لا يتعلق بمبدأ الإصلاح بحد ذاته، بل بالأدوات المستخدمة لتحقيقه، ومدى عدالتها وتوقيتها، وانعكاساتها العملية على حياة المواطنين.
كثير من العاملين في الأردن بنوا خططهم المعيشية والعائلية على تشريعات مستقرة وواضحة، وكان سن التقاعد أحد مرتكزاتها الأساسية. وعندما يُطرح تعديل بهذا الحجم، يصبح القلق مفهومًا، لا سيما في ظل أوضاع اقتصادية ضاغطة، وتفاوت في طبيعة المهن، وقدرة العاملين الصحية والجسدية على الاستمرار في العمل لسنوات إضافية.
ومن زاوية سوق العمل، يصعب فصل هذه التوصية عن ملف البطالة، خاصة بين فئة الشباب. فالمعادلة دقيقة بين الحفاظ على الخبرات المتراكمة من جهة، وفتح المجال أمام فرص عمل جديدة من جهة أخرى، وهو توازن يتطلب سياسات تشغيل متكاملة تأخذ بعين الاعتبار احتياجات مختلف الفئات.
ومع تقدم النقاش، يبرز تساؤل مشروع حول كيفية توزيع كلفة الإصلاح، بحيث لا يتحمل العامل وحده أعباء الاختلالات المتراكمة، بل تُبحث حلول شاملة تشارك فيها مختلف الأطراف، وتوازن بين متطلبات الاستدامة المالية واعتبارات العدالة الاجتماعية.
“نجاح أي تعديل في سن التقاعد مرهون بقدرته على تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية وأمن المواطن الاجتماعي.”
إن الإصلاح الحقيقي لمنظومة التقاعد لا يتحقق بقرارات منفردة، بل برؤية متكاملة، وحوار وطني واسع، ومسارات مرنة تراعي الفروقات بين العاملين والقطاعات. فحماية الضمان الاجتماعي هدف وطني مشروع، كما أن صون كرامة الإنسان وأمنه الاجتماعي هدف لا يقل أهمية.
وفي المحصلة، يبقى نجاح أي إصلاح مرهونًا بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين الأرقام والسياسات من جهة، وواقع الناس وتطلعاتهم من جهة أخرى، بما يعزز الثقة العامة ويؤكد أن الإصلاح يصب في المصلحة الوطنية على المدى الطويل.

















