+
أأ
-

د. الون بن مائير : - مشروع إمبريالي آخر من مشاريع ترامب العبثيّة

{title}
بلكي الإخباري

 

 

إن “مجلس السلام” الذي اقترحه ترامب والذي يضم رؤساء دول من بينهم روسيا غير مناسب هيكليًا لإنهاء الحرب الإسرائيلية مع حماس ولإدارة غزة ما بعد الحرب بشكل مستدام.

 

في مؤتمر صحفي على هامش المنتدى الإقتصادي العالمي في دافوس، كشف ترامب النقاب عن “مجلس السلام” الذي شكله حديثًا لإنهاء الحرب الإسرائيلية مع حماس. وخلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض، أوضح أنه أنشأ المجلس لأن “الأمم المتحدة كان ينبغي أن تحسم كل الحروب التي حسمتها أنا. لم أذهب إليهم قط، ولم يخطر ببالي حتى الذهاب إليهم”. وادعى أن مجلس السلام سيتولى مهمة إنهاء الحرب الإسرائيلية مع حماس في غزة. ودعا العديد من رؤساء الدول للإنضمام إلى المجلس، وهدد بفرض رسوم جمركية باهظة على الدول التي ترفض. ومن المفارقات أنه دعا أيضًا الرئيس الروسي بوتين للإنضمام إلى المجلس.

حتى نظرة سريعة على هيكل المجلس – تكوينه التنفيذي ودوره ومسؤولياته – تُظهر بوضوح أنّ ترامب وضع نفسه في طليعة كل شيء، من العمليات إلى صنع القرار النهائي. لقد رسّخ الهيمنة الأمريكية طالما كان هو من يديره. منح نفسه سلطة نقض أي قرار لا يروق له ودعوة أي عضو في المجلس أو عزله والموافقة على جدول الأعمال وتعيين خليفته، بل وحتى حلّ المجلس بالكامل. علاوة على ذلك، احتفظ لنفسه بدور محوري حتى بعد انتهاء ولايته الرئاسية.

عيوب المجلس وهيكله
يُؤدي إنشاء هذا المجلس من نواحٍ عديدة إلى تفكيك النظام الدولي الذي بنته الولايات المتحدة بعد الحرب وبناء نظام جديد يكون ترامب محوره. وبينما يسعى ترامب إلى ترسيخ سلطته الإستبدادية محليًا، فإنه يريد الآن أن يُظهر نفسه على الساحة الدولية كما لو كان إمبراطورًا يترأس مجلسًا يتألف في معظمه من رؤساء دول. ورغم أن لأعضاء المجلس الحق في إبداء آرائهم، إلا أنهم مع ذلك يخضعون له هيكليًا.

لا مكان لأصحاب المصلحة الرئيسيين
صُمّم مجلس السلام والمجلس التنفيذي لغزة الموازي له ليكونا أعلى من لجنة فلسطينية تكنوقراطية دون منح أي ممثل سياسي فلسطيني مقعدًا في اللجنة العليا على الرغم من كونهم أصحاب المصلحة الرئيسيين. يُطلب من حماس نزع سلاحها دون تحديد كيفية ذلك والإنسحاب من الإدارة. وتُحصر السلطة الفلسطينية في دور إداري “غير سياسي” مما يُعيد إنتاج المشكلة المزمنة المتمثلة في محاولة فرض حلول على الفلسطينيين بدلًا من التفاوض معهم. وقد قوّض هذا مرارًا وتكرارًا أطر السلام السابقة ولا يُقدم أي سبيل نحو سلام إقليمي أو عالمي مستدام.

تضارب المصالح
يرأس المجلس ترامب نفسه وتُشترى العضوية فعليًا عبر رسوم “مقعد دائم” بقيمة مليار دولار مما يخلق تضاربًا واضحًا بين الربح والهيبة وصنع السلام. روسيا وإسرائيل ودول الخليج وغيرها ممن لهم مصالح مباشرة في مبيعات الأسلحة والنفوذ الإقليمي وممرات الطاقة ليسوا ضامنين محايدين، بل أطرافًا ذات مصالح يُرجح أن تستغل غزة لتحقيق أجنداتها الاستراتيجية الخاصة.

الوصاية على النمط الإستعماري
تتصور البنية الهيكلية بوضوح إشراف شخصيات دولية ورؤساء دول على إعادة إعمار غزة وأمنها وحوكمتها ما يحول غزة فعلياً إلى محمية تديرها قوى خارجية. وينتقد المدافعون عن حقوق الإنسان والمراقبون الإقليميون هذا الوضع باعتباره وصاية على النمط الإستعماري التي تنكر السيادة الحقيقية، وهو ما يولد مقاومة محلية وينزع الشرعية عن الترتيب ويوفر وقوداً أيديولوجياً للجماعات المسلحة.

الإعتراضات الإسرائيلية والإقليمية
اعترضت القيادة الإسرائيلية علناً على تشكيل هيئات غزة وتصميمها. وهي غاضبة من دور تركيا وقطر، ما أجبر نتنياهو على النأي بنفسه عن جوانب من الخطة حتى مع انضمامه إلى المجلس تحت ضغط من ترامب. ومع ذلك، تنظر الحكومة الإسرائيلية إلى أعضاء رئيسيين في المجلس وآلياته على أنهم معادون أو متعارضون مع مبادئها الأمنية. ولذا ستعرقل إسرائيل التنفيذ أو تفرغه من مضمونه عملياً، محولةً المجلس إلى ساحة للصراع الداخلي بين الحلفاء بدلاً من حلّ النزاعات.

تنافس القوى العظمى داخل المجلس
من المفارقات أن المجلس يتوقع مشاركة متزامنة من خصوم أو متنافسين مثل روسيا والإتحاد الأوروبي والدول المتحالفة مع الولايات المتحدة، بينما في الوقت نفسه تقاوم موسكو شروط السلام المدعومة من الولايات المتحدة في أوكرانيا وتستغل أزمات الشرق الأوسط لإضعاف النفوذ الغربي. هذا الترتيب يجعل المجلس ساحة أخرى لتنافس القوى العظمى، حيث يمكن لروسيا والمجر وبيلاروسيا وغيرها عرقلة أو إضعاف الإجراءات التي لا تخدم مصالحها الجيوسياسية الأوسع. هذا بالطبع لا يشمل المخاوف والشكوك الواسعة النطاق بين القادة الأوروبيين بشأن علاقات بوتين العدائية على طاولة المفاوضات، والتي تُنذر بالخلافات وتمنع اتخاذ أي إجراءات ملموسة.

أساس قانوني غير واضح
ثغرة أخرى كبيرة في مجلس الأمن الذي اختاره ترامب هي تقديمه كبديل للأمم المتحدة، وربما كهيئة تحلّ محلها دون أي أساس قانوني أو عضوية عالمية أو سلطة ملزمة بموجب القانون الدولي. إنّ ناديًا اختاره ترامب بنفسه يضمّ في معظمه رؤساء دول مدعوين ويرتبط بإدارة أمريكية معينة ويرتكز على مساهمات مالية كبيرة يفتقر إلى الشرعية الإجرائية اللازمة لفرض ترتيبات أمنية، أو الفصل في النزاعات، أو ضمان حقوق الفلسطينيين بشكل موثوق على المدى الطويل، وهو أمر يتجاهله ترامب تمامًا.

ولاية طموحة للغاية وغير محددة المعالم
لقد توسّعت مسؤوليات المجلس بالفعل من الإشراف على وقف إطلاق النار في غزة إلى ميثاق واسع النطاق “لتعزيز الإستقرار” و”حلّ النزاعات العالمية”، وهو أمر استعراضي ولن يُؤتي ثماره أبدًا، بل يُشير إلى توسّع نطاق المهمة قبل أن تبدأ. إنّ مثل هذه الولاية المتغيّرة، ذات الهياكل المتعددة والمتداخلة بعضها ببعض(مجلس السلام والمجلس التنفيذي لغزة والمجلس التنفيذي التأسيسي) تكاد تضمن توليد صراعات بيروقراطية على النفوذ وشلل وتشتت – لا سيما عندما تتنافس الأزمات خارج غزة على الإهتمام والموارد.

لا شك أن هذه مجرد حيلة أخرى من حيل ترامب الذي يدّعي دائمًا أنه الوحيد القادر على ابتكار أفكار غير تقليدية. ومثل العديد من مبادراته، تندرج هذه المبادرة المسماة “مجلس السلام” ضمن الفئة نفسها – فهي ذات طابع صفقات تجارية وقابلة للتراجع.

إنها فكرة طموحة لا يمكن الحفاظ عليها هيكليًا وتفتقر إلى آليات التنفيذ وتعتمد على خوارزمية متناقضة لتحقيق هدفها الذي يبقى في كل الأحوال غير واضح المعالم وغير واقعي.