+
أأ
-

ليث القهيوي يكتب :- الدولة التي تتعلم: سباق التصحيح

{title}
بلكي الإخباري

 

 

في إقليم يعيش على إيقاع مفاجآت متلاحقة من تقلبات الاقتصاد العالمي إلى اضطراب سلاسل الإمداد، ومن تسارع التقنية إلى ضغوط المناخ، لم يعد التفوق مسألة "من يخطّط أكثر"، بل "من يصحح أسرع". فالدولة التي تملك وثائق متقنة لكنها بطيئة في المراجعة تشبه سفينة بخرائط دقيقة وبوصلة متطورة، لكنها تتردد في تعديل مسارها حين تتغير الرياح. أما الدولة التي تتعلم، فلا تدعي العصمة؛ تدعي ما هو أهم: القدرة على التقاط الخطأ مبكرًا، تحويله إلى معرفة، وإعادة توجيه القرار قبل أن يتحول التعثر إلى كلفة وطنية مضاعفة.

 

الخطط في الإقليم تتشابه في العناوين: تحول رقمي، تحديث إداري، اقتصاد معرفي، ريادة أعمال. لكن النتائج على الأرض لا تتشابه. هنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا تتحول بعض المبادرات إلى أثر ملموس خلال سنوات قليلة، بينما تبقى أخرى أسيرة الإعلان والتنفيذ الجزئي؟ التفسير الأسهل هو الموارد أو السياسة، لكنه ليس دائمًا الأدق. الفارق الحاسم غالبًا هو وجود "نظام تعلم" داخل الدولة: قدرة مؤسسية تسمح بالتجريب المنضبط، القياس الصارم، والاعتراف بالخلل دون هلع، ثم التصحيح السريع قبل التعميم.

بعض التجارب الإقليمية أدركت أن الإصلاح ليس وثيقة بل دورة متكررة: مختبرات سياسات، تجارب محدودة قبل الإطلاق الواسع، صلاحيات تشغيلية أوسع للقيادات الوسطى، وقرارات تُراجع ببيانات لا بانطباعات. في المقابل، تكتفي تجارب أخرى بإطلاق منصات ومبادرات دون إعادة هندسة حقيقية للصلاحيات أو الإجراءات، فتبدو الحركة كثيفة… بينما الأثر محدود.

التنفيذ يلتزم بالخطة كما كُتبت، حتى لو تغير الواقع. أما التعلم فيفترض أن الخطة بداية الحكمة لا نهايتها؛ إطار يتطور مع الدروس. الدولة التي تتعلم لا تقيس نجاحها بعدد الأنشطة أو حجم الإنفاق، بل بمؤشرات أثر واضحة: هل اختصرنا زمن الخدمة؟ هل خفّضنا كلفة الامتثال؟ هل ارتفعت الإنتاجية؟ وهل تقلّصت مساحة المزاجية لأن الإجراء أصبح أبسط وأوضح؟

هنا تكمن عقدة ثقافية حساسة. كثير من المنظومات تخلط بين الخطأ المهني وسوء النية، فتتحول المساءلة إلى أداة ردع لا أداة تصحيح. عندها تُعاقَب الصراحة ويُكافَأ الصمت، فتختفي المشكلات من التقارير لكنها تبقى في الواقع. الدولة التي تتعلم تفصل بوضوح بين خلل تشغيل يُعالج ويُستفاد منه، وبين فساد يُحاسَب عليه. هذا الفصل ليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرط إنتاجي يحرّر الموظف من ثقافة الدفاع عن القرار إلى ثقافة تحسين القرار.

التحول الرقمي هو الاختبار الأكثر صدقًا لهذه الفكرة. التقنية قد تكون أداة لتحرير الخدمة عبر إعادة تصميم الرحلة بالكامل، وقد تكون مجرد طبقة تجميل لروتين قديم. حين تُرقمن الموافقات ذاتها والتعقيدات ذاتها، فإننا ننقل البطء إلى الشاشة. أما حين تُستخدم التقنية لطرح السؤال الجريء: هل هذه الخطوة ضرورية أصلًا؟ ومن يملك صلاحية حذفها؟ تصبح الرقمنة مسارًا للتعلم المؤسسي: حذف غير المنتج، دمج المتكرر، ونقل القرار إلى نقطة أقرب للمستفيد.

 وهنا يتقاطع الإصلاح الإداري مع ريادة الأعمال. فالدولة التي لا تسمح لنفسها بالتجريب المنضبط، لن تسمح لرواد أعمالها بالمخاطرة المحسوبة. ثقافة الخوف المؤسسي تُنتج اقتصادًا مترددًا، بينما ثقافة التعلّم تُنتج منظومة تحتضن المحاولة وتكافئ التصحيح. الريادة ليست قطاعًا اقتصاديًا فحسب؛ إنها انعكاس مباشر لفلسفة الدولة تجاه الخطأ والتجربة.

في الأردن، الفرصة قائمة لأن عناصر الإصلاح متوافرة ومتقاربة: تحديث إداري، تحول رقمي، ومنظومة نزاهة تؤطر المساءلة. لكن اللحظة لن تُحسم بعدد الوثائق ولا بكثافة المنصات، بل بمدى استعداد المنظومة للتعلّم أثناء التطبيق. هل نمتلك آليات تجعل مراجعة المسار ممارسة دورية لا حدثًا استثنائيًا؟ هل نمنح صلاحيات تشغيلية تسمح بتعديل الإجراء فور ظهور البيانات؟ هل نكافئ من يكشف الخلل ويقترح الحل، أم من يخفيه حفاظًا على الصورة؟

السنوات القادمة ستختبر هذه الأسئلة بقسوة: شباب يدخلون سوق العمل بوتيرة عالية، اقتصاد عالمي متقلب، منافسة إقليمية على الاستثمار والمهارات، وتحولات تقنية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تعيد تعريف الإنتاجية والخدمات. في هذا السياق، الدولة التي تتعلم ليست التي لا تخطئ، بل التي تقلص زمن الخطأ. ليست التي تتوقع كل شيء، بل التي تبني مؤسسات تتحرك مع التغير بثقة ومرونة.

السباق الحقيقي لن يكون على من يملك الخطة الأكثر طموحًا، بل على من يملك دورة التعلم الأسرع: تجربة محدودة، قياس واضح، تصحيح دون حساسية، ثم توسيع ما ينجح وإيقاف ما يضعف. 

هنا تُصاغ الفروق بين إدارة تُدير… ودولة تتقدم. 

وبين منظومة تنفذ ما كُتب، ومنظومة تتعلم مما يحدث، يُحسم موقعنا في سباق التصحيح.