+
أأ
-

عجاف السياحة: بين صافرات الإنذار وصبر المستثمر!

{title}
بلكي الإخباري

نضال المجالي

لم تعد السياحة في الأردن تقاس بعدد المواسم بقدر ما تقاس بعدد صفارات الإنذار التي مرّت فوقها. فخلال سنوات قليلة، وجد العاملون في هذا القطاع أنفسهم ينتقلون من أزمة إلى أخرى: جائحة عالمية أغلقت المطارات والساحات، توترات وحروب في الإقليم أثرت على صورة المنطقة بأكملها، وضغوط اقتصادية عالمية جعلت السفر رفاهية مؤجلة لدى كثيرين. وبين كل صافرة وأخرى، كانت الخطط تُكتب، والتحليلات تُعرض، والاجتماعات تُعقد، لكن الواقع بقي أكثر صلابة من كل الأوراق.

 

 

من يعمل في السياحة أردنيا لا ينتظر الاستقرار الكامل، فهو يعلم أن هذا القطاع يعيش على الهامش بين الأمل والمخاطرة. ومع ذلك، يظل السؤال الأهم: ماذا يستحق أن يُنجز وسط هذا الاضطراب؟ الإجابة ليست في خطط طويلة الأمد تُبنى على افتراضات مثالية، بل في بناء قدرة حقيقية على الصمود. الإنجاز الحقيقي هو أن تستطيع المنشأة السياحية الاستمرار عندما تتوقف الحجوزات فجأة، وأن يحافظ العامل على خبرته وثقته عندما تتراجع الحركة إلى أدنى مستوياتها.

نعلم جميعا أن عام 2023 في السنوات الست الماضية بدا وسط سنين العجاف الأخيرة وكأنه نقطة تحول، حيث شهد القطاع انتعاشا ملحوظا في العائدات والحركة السياحية. لكن القراءة الواقعية تشير إلى أن ذلك لم يكن نتيجة نجاح خطط إستراتيجية بقدر ما كان انعكاسا لحالة نفسية عالمية، فالعالم كان يخرج من عزلة كورونا، والناس كانوا يبحثون عن التعافي والسفر والاستشفاء النفسي قبل أي شيء آخر. كان الطلب مرتفعا لأن البشر أرادوا الحياة مجددا، لا لأن السياسات السياحية أصبحت فجأة أكثر كفاءة.

وخلال تلك الفترة، ظهرت نماذج مختلفة في السوق، من بينها اللجوء إلى تعزيزات لوجستية من خارج الأردن لسد فجوات سريعة في التشغيل والخدمات. كما ازداد عدد الشركات العاملة في قطاع السياحة والنقل السياحي بشكل لافت، مدفوعة بزخم الانتعاش المؤقت. لكن مع أول صافرة إنذار جديدة انطلقت بعد الحرب على غزة، انسحب كثيرون بسرعة، واختفت شركات كانت تبدو راسخة قبل أشهر فقط من ذلك التاريخ. لم يبقَ في الميدان سوى من يملك الأصل الأهم: الثقة المتراكمة والخبرة الطويلة والعلاقة الحقيقية مع السوق بقوة وصدق وارث عدد من مستثمريه في خدمات الإقامة والترفيه أو بمسارات منتظمة واستدامة خدمة النقل الداخلي والخارجي.

وهنا تظهر المفارقة المؤلمة. فالمعنيون بالقطاع من جهات رسمية وجمعيات ووكالات سفر لا يتوقفون عن الاجتماعات والنقاشات والإفطارات الرمضانية مؤخرا، لكن السؤال الذي لم نجد له إجابة واضحة بعد هو: هل يعرف الجميع من هو الشريك الحقيقي الذي يجب الجلوس معه؟ هناك شركاء قادرون على خلق قيمة مستدامة لكنهم بعيدون عن طاولات الحوار، في حين يحظى آخرون — انتهت مدة صلاحية دورهم الاقتصادي كما هو حضورهم الجسدي— بمساحات واسعة من الاهتمام بدافع المجاملة أو العلاقات الشخصية.

إن أزمة السياحة ليست فقط في الظروف الخارجية، بل في طريقة إدارة العلاقة مع الداخل. فالتخطيط الذي لا يستند إلى فهم من يعمل فعلا على الأرض يتحول إلى تمرين نظري متكرر اشبه بخطط الإخلاء المخزنة في الأدراج لدى الكثير أو التعامل مع مشغل القطاع الأساسي باعتباره «سوبر ماركت». والتحليل الذي لا يقود إلى قرار عملي يصبح مجرد أرشيف جديد يضاف إلى ما سبقه.

متى تنتهي هذه الدورات من الصعود والهبوط؟ ربما لن تنتهي قريبا، لأن السياحة بطبيعتها مرتبطة بالعالم وتقلباته. لكن الحلول ممكنة وكتب ألف شخص أكثر من ألف مقال وفكرة في الأسابيع الماضية: بناء منظومة مرنة لا تعتمد على موسم واحد أو سوق واحد، استدامة الفعاليات والبرامج الداخلية من حفلات وبرامج دون توقف، دعم الشركات التي أثبتت قدرتها على الاستمرار لا تلك التي تظهر فقط في سنوات الرخاء، تفعيل واستدامة صناديق الطوارئ التي نسمع عنها منذ سنوات، إجراءات تخفيفية في الضريبة ونسب الاقتطاعات والرسوم والإيجارات والتراخيص وأسعار الكهرباء لمشغلي القطاع، وإشراك العاملين الحقيقيين في اتخاذ القرار لا الاكتفاء بالتمثيل الشكلي لنخب من أصحاب المصلحة.

في النهاية، قد تمر بعض سنوات العجاف، وربما أكثر، لكن القطاع الذي يقوم على الثقة والخبرة لن يتوقف، ولعلنا نجتمع بعدها مع سنوات سمان. فالسياحة ليست مجرد أرقام زوار، ولا تصريحات مسؤول، بل قصة صبر طويلة يكتبها المستثمر الذي بقي واقفا عندما صمتت الضوضاء وغادر الآخرون.