+
أأ
-

تكية أم علي" من منظور حقوقي

{title}
بلكي الإخباري

د.نهلا عبدالقادر المومني

أتيحت لي مؤخرا فرصة التطوع لدى «تكية أم علي» ضمن برنامج موائد الرحمن خلال شهر رمضان المبارك، هذه التجربة التي تجعلك تقترب أكثر من التكية وفلسفتها والعمق الذي تعمل فيه ومن خلاله.

 

 

«أم علي»، هي أكثر من تكية لتقديم الطعام؛ تتجاوز ذلك بكثير لتعكس مضامين حقوقية وإنسانية ومجتمعية تمتد على أكثر من صعيد لتخلق تجربة إنسانية فريدة من نوعها، ومتمكنة من أدواتها. 

أن تتطوع في التكية عن قرب، يعني بالضرورة أن تقف مطولا أمام عدة اعتبارات وأن لا تمر بعيدا دون التفات معمق في النهج الحقوقي والمجتمعي اللذين يتقاطعان بصورة تقدم نموذجا للعمل التكافلي الخيري الإنساني القادر على إحداث أثر حقوقي. وفي هذا الإطار لا بد من الوقوف على الآتي:

أولا: ينطوي عمل التكية على أبعاد حقوقية تأخذ مسارات متعددة؛ فهي تعمل على إنفاذ أحد أهم حقوق الإنسان وهو الحق في مستوى معيشي ملائم؛ الذي يرتكز في أحد عناصره الأساسية على الحق في الغذاء؛ فالحصول على غذاء كاف وآمن يعد شرطا أساسيا لحياة كريمة، هذا الحق المكفول ايضا بموجب الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو الحق الذي من شأن غيابه أو الانتقاص منه التأثير على بقية حقوق الإنسان وفي مقدمتها الحق في الصحة.  

العمل على المساهمة في ضمان تمتع الأفراد بهذا المكون المهم وهو الغذاء في إطار الحق في مستوى معيشي ملائم وكاف يعد عملا حقوقيا بامتياز؛ فمكافحة الجوع والتصدي له التزام اخلاقي وقانوني وحقوقي، هذا الالتزام الذي لا يقتصر على توفير الغذاء، ولكن يتطلب أن يكون غذاء ذا جودة عالية ويقدم بطريقة تحفظ الكرامة الإنسانية تعزيزا لفكرة الحق، وهو ما يبدو جليا في عمل «تكية أم علي» التي تعمل وفق منهجية متكاملة وآليات تضمن عكس المبادئ التي قامت حقوق الإنسان عليها في جوهرها وفي مقدمتها الكرامة الإنسانية.

ثانيا: تشكل التكية في إطار عملها رافدا مهما من روافد المساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والذي يعد «القضاء على الجوع» الهدف الثاني من أهدافها ومن أهمها أيضا. هذه الأهداف جميعها التي تقوم على شعار محوري وهو «عدم ترك أحد بالخلف»، خاصة الفئات المهمشة او الاكثر حاجة للحماية والأكثر عرضة للانتهاك كالأطفال والأشخاص من ذوي الإعاقة وغيرهم؛ حيث تتوجه التكية في هذا الإطار الى فئات المجتمع كافة مع إيلاء اهتمام متزايد لهذه الفئات في نهج لا يقتصر على التقديم المؤقت للغذاء بل من خلال استدامة برامج الدعم الغذائي على مدار العام.

 وتجدر الإشارة إلى أن العمل على مكافحة الجوع من خلال توفير الغذاء الكافي، يسهم ايضا في تعزيز أهداف التنمية المستدامة الأخرى والحد من آثارها كما هو الحال في الهدف الأول منها المتمثل في القضاء على الفقر؛ حيث يعد نقص الغذاء أحد الآثار الأساسية المترتبة على الفقر وعاملا اساسيا قد يدفع الافراد الى انتهاج سلوكيات معينة او الدفع بالاطفال الى سوق العمل في بعض الاحيان للحد من أثاره وتوفير الغذاء بصورة أساسية.

ثالثا: إلى جانب هذا الدور الحقوقي والتنموي، تجذر تكية أم علي في طرق عملها ثقافة التطوع في المجتمع؛ حيث يعد التطوع أحد الآليات الرئيسة في تحقيق أهدافها من خلال فتح الباب واسعا أمام مشاركة الأفراد والجهات على اختلافها ليكونوا جزءا من هذا العمل والانخراط إيجابا في هذا السياق.

هذه الثقافة القائمة على فكرة التطوع تؤدي دورا اجتماعيا وتربويا مهما خاصة لدى فئة الشباب، وتسهم في بناء الشخصية الإنسانية القائمة على الشعور بالآخر واحترام حقوق الإنسان واكتساب مهارات العمل الجماعي، كما تسهم هذه الثقافة في فهم أعمق للتحديات الاقتصادية والمجتمعية ومنها تحديات الفقر والجوع من خلال الانخراط والاقتراب من هذه الإشكاليات على أرض الواقع، مما قد يسهم في المشاركة في إيجاد حلول مستدامة لها وفهم عمق جذورها وآليات الحد منها.

 أبعاد حقوقية واجتماعية وثقافية عديدة تتكرس من خلال عمل «تكية أم علي»، التي تشكل آلية على الصعيد الوطني ونموذجا في تحويل القيم الاخلاقية كقيمة التكافل إلى آليات عمل حقوقية تتسم بالتنظيم والاستمرارية، ودليل حي في الوقت ذاته على قدرة الجهات كافة على إحداث أثر حقيقي مستدام على أرض الواقع من خلال تعزيز قيم التضامن الإنساني.