+
أأ
-

المزاودون في حب الوطن .. وحاجتنا للعودة إلى تعريف ناضج للوطنية

{title}
بلكي الإخباري

 

كتب جمال عقل 

يمثل حب الوطن قيمة إنسانية سامية ومبدأ أخلاقياً راسخاً تتبناه الشعوب عبر العصور، فهو شعور فطري بالانتماء والولاء للأرض والهوية المشتركة ، ومع ذلك تتحول هذه القيمة النبيلة في بعض السياقات إلى ساحة للمزايدة والمنافسة السطحية، حيث يتسابق البعض لإثبات أقصى درجات الوطنية، وغالباً على حساب الآخرين ، فهذه الظاهرة التي يمكن تسميتها المزايدة في حب الوطن ، غالباً ما تكون مقدمة خطيرة تقود إلى اتهام المخالفين للرأي بالخيانة والتخوين، مما يقوض النسيج الاجتماعي ويشوه مفهوم المواطنة الحقة.

وتبدأ المزايدة عادة عندما يتحول التعبير عن الوطنية من التزام عملي ومسؤولية مجتمعية إلى استعراض لفظي أو أيديولوجي فيصبح الولاء حينها مقاساً بمدى التوافق المطلق مع السرديات السائدة أو بحدة انتقاد أي رأي مخالف ، فيسعى المزاودون إلى احتكار تمثيل الوطن ، مصورين أنفسهم على أنهم الأوصياء الشرعيون على مصالحه العليا، بينما يُنظر إلى أي اختلاف في الرأي أو مسار عمل مختلف على أنه دليل على النقص في الإخلاص أو حتى الخيانة المتعمدة ، وهذه المزايدة تخلق بيئة سامة تعتمد على الإقصاء بدلاً من الاحتواء.

إن الانتقال من المزايدة إلى التخوين هو خطوة منهجية تهدف إلى تصفية الرأي الآخر أو إضعافه . فعندما يجد الفرد صعوبة في دحض حجة الخصم بمقاربة منطقية أو واقعية، يلجأ البعض إلى سلاح التشهير الأخلاقي والوطني ، فتصبح اتهامات الخيانة، أو العمالة  أو الارتباط بالخارج أداة فعالة لإسكات الأصوات النقدية ، والهدف هنا ليس الإصلاح أو البناء ، بل إثبات التفوق الأخلاقي والوطني للمزاود. 

وفي العديد من التجارب السياسية المعاصرة، نرى كيف يتم ربط أي دعوة للإصلاح الاقتصادي أو الحريات الاجتماعية بمخططات خارجية، مما يمنح المتهمين صفة الخائن ويصرف النظر عن جوهر مطالبهم أو مواقفهم التي تتوافق مع حب الوطن .

والمشكلة الأساسية في هذا المنحنى تتجلى في أن الوطنية الحقيقية هي مفهوم متعدد الأبعاد، يشمل التحدي البناء والمحاسبة والبحث عن المسار الأفضل للمجتمع ككل ، ولا يمكن حصر حب الوطن في صيغة واحدة أو مذهب سياسي واحد ، كذلك إقصاء الآراء المختلفة بحجة عدم الوطنية يشبه محاولة تقييم جسد سليم بالنظر إلى عضو واحد فقط ، فالمواطن الذي ينتقد سوء الإدارة أو يطالب بتحسين الخدمات ، هو غالباً الأكثر حباً للوطن، لأنه يسعى لرفعته وسلامة مواطنيه، وليس أقل وطنية ممن يكتفي بالصمت أو المديح الأعمى.

 ففي فترات الاضطراب، يصبح اتهام الآخر بالخيانة أسهل طريق لتحقيق مكاسب سياسية فورية. فبدلاً من معالجة الأسباب الجذرية للاستياء أو المشاكل المجتمعية، يتم توجيه اللوم إلى الآخرين من خلال  منهجهم أو توجه معين لهم ، أو جماعات ذات توجهات سياسية مغايرة، أو حتى دول مجاورة يُزعم أنها تحرِّك خيوط اللعبة. هذا التكتيك يشتت البوصلة ويوحد القاعدة الشعبية بشكل زائف حول  التيار الذي يتبنى خطاب التخوين.

علاوة على ذلك، فإن المزايدة المستمرة تضعف الدولة من الداخل ، عندما يصبح الولاء مطلباً شخصياً يتم إثباته يومياً عبر إدانة الآخرين، فتتبدد الثقة بين المواطنين ، وتصبح البيئة مشحونة بالشك، ويتردد الأفراد في التعبير عن آرائهم الصادقة خوفاً من أن تُفسَّر على أنها خيانة عظمى ،  فالدول القوية هي تلك التي تحتضن التنوع الفكري وتسمح بالنقاش الحر حول كيفية خدمة الوطن بفعالية أكبر.

وللخروج من دائرة المزايدة والتخوين يتطلب الأمر  العودة إلى تعريف ناضج للوطنية. 

لذلك ينبغي للمجتمعات أن تدرك أن النقد البناء ليس تقويضاً للوطن، بل هو أحد أشكال خدمته ، فالمواطن الحقيقي هو الذي يملك الجرأة على قول الحقيقة عندما يكون ذلك ضرورياً لحماية مصلحة بلاده على المدى الطويل، حتى لو كان هذا الرأي يتعارض مع الآراء السائدة أو اتهامات المزاودين السطحيين.

ختاما ، تمثل ظاهرة المزاودة في حب الوطن التي تنتهي بتخوين الآخر تحدياً خطيراً للديمقراطية والاستقرار الاجتماعي. إنها تحول الوطنية من فضيلة إلى سلاح إقصائي. فبناء وطن قوي ومزدهر يتطلب تجاوز هذه المرحلة السطحية والاعتراف بأن قوة الدولة تكمن في قدرتها على استيعاب التباينات وإدارة الخلافات ضمن إطار من الاحترام المتبادل والمصلحة العليا للجميع ، والحقيقة الراسخة  أن الوطن لا يرتفع إلا بضم جميع أبنائه، لا بإقصاء من يختلفون حول أفضل السبل لخدمته.