اللواء المتقاعد د. تامر المعايطة :- سيناريو تراجع النفوذ الإيراني في الإقليم وضرورات إدارة المخاطر الأمنية في تفكيك المليشيات الموالية لها.

يبدو واضحاً أن نفوذ إيران الإقليمي قد تقهقر إلى حد كبير، وأنه في طريقه إلى الزوال أو إعادة التموضع ليصبح نفوذاً داخلياً محلياً، بدلاً من مشروع إقليمي توسعي طموح. ومن المتوقع أن ينشغل النظام الإيراني في المرحلة المقبلة بملف إعادة الإعمار، بعد الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية. وبالتالي، فإن سياسات طهران القادمة ستتجه بقوة نحو الداخل الإيراني، حيث تفاقمت المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة.
يحمل هذا التحول مخاطر وجودية حقيقية على المليشيات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وفي مقدمتها حزب الله في لبنان، والفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق، والحوثيون في اليمن. تشكل هذه الجماعات شبكة مترابطة تعتمد بشكل أساسي على التمويل والتدريب والتوجيه المباشر من طهران. لذا، فإن إضعافها أو تفكيكها قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أمنية معقدة وخطرة، تشبه إلى حد كبير ما حدث عقب انهيار بعض الأنظمة السابقة في المنطقة.
ومن المتوقع أن يصعب على كثير من قيادات هذه المليشيات وقواعدها قبول ما تفرضه الواقعية السياسية من انتهاء أدوارها أو تلاشي وجودها. وقد يؤدي ذلك إلى انقسامات داخلية حادة، أو ظهور حركات تمرد وصراعات على النفوذ، خاصة أن هذه الجماعات تمتلك سلطة سياسية وأمنية واقتصادية واسعة داخل الدول التي تنشط فيها.
إن تفكيك المليشيات الموالية للحرس الثوري الإيراني ليس مجرد عملية أمنية فنية محدودة، بل هو تحول استراتيجي جوهري يهدف إلى استعادة الدول العربية المعنيّة سيادتها الكاملة على أراضيها ومواردها. غير أن نجاح هذا التحول يتوقف على قدرة تلك الحكومات في إدارة المخاطر الأمنية الناتجة عنه بحكمة وتوازن. وذلك يتطلب منها الجمع بين استخدام القوة الأمنية الصلبة، والدور السياسي والاجتماعي الناعم (التوعوي والإدماجي)، لمنع هذه الجماعات من إعادة تشكيل نفسها بأشكال جديدة تهدد الاستقرار والسلم المجتمعي، مثل الانزلاق نحو الإرهاب، أو تشكيل عصابات متخصصة في تهريب السلاح والمخدرات، أو السيطرة على جيوب حدودية هشة.
وتزداد خطورة هذه السيناريوهات إذا أخذنا بعين الاعتبار أن مقاتلي هذه المليشيات مدربون تدريباً جيداً، ويمتلكون أسلحة متطورة نسبياً.
حزب الله في لبنان الذي أسسته طهران في الثمانينيات ويعتبر أبرز الوكلاء الإيرانيين؛، قدم له الحرس الثوري دعماً مالياً وعسكرياً هائلاً، حتى أصبح يمتلك جيشاً موازياً، وترسانة صواريخ ضخمة، إلى جانب حضور سياسي مؤثر داخل النظام اللبناني.
وفي العراق، فقد بنت إيران بعد عام 2003 عدداً من الفصائل المسلحة، حتى امتلكت نفوذاً قوياً، وضمت عشرات الآلاف من المقاتلين. وقد شاركت بعض هذه الفصائل في هجمات ضد دول الجوار، رغم المحاولات المتكررة من الحكومات العراقية لدمجها أو تقييد نشاطها.
وكذلك في اليمن، فقد مكّن الدعم الإيراني المتزايد الحوثيين من السيطرة على مناطق واسعة، وتحويلهم إلى قوة تهدد الملاحة البحرية الدولية في البحر الأحمر.
لذلك، وبمجرد أن تضع الحرب أوزارها، وتنقطع شرايين الإمداد عن هذه المليشيات، وتنتهي أدوارها الإقليمية مع تراجع النفوذ الإيراني وانشغال طهران بأزماتها الداخلية، يصبح التعامل الحازم والمدروس مع تفكيك هذه المليشيات المسلحة المدربة أمراً حاسماً وغير قابل للتأجيل. وإن نجاح الدول العربية، ضمن تعاونٍ ودعمٍ إقليمي ودولي، في هذه المرحلة الحرجة يتوقف على قدرتها على منع تحول هذه الجماعات إلى أدوات تخريبية أو عصابات إجرامية منظمة، تحافظ على قدراتها العسكرية وتوجهها نحو زعزعة الاستقرار أو الجريمة المنظمة. فالفرصة التاريخية سانحة اليوم لاستعادة الدولة الوطنية سيادتها الكاملة، وإنهاء مشاريع الوكالة والتوسع الإيراني التي باتت في طريقها إلى التلاشي، دون أن يُؤسف عليها.



















