+
أأ
-

في حوار خاص مع "بلكي نيوز".. الأخصائية لبنى عبيدات تفكك شفرة "برنامج الطيبات": الراحة المؤقتة خديعة والألياف حياة القولون

{title}
بلكي الإخباري

 

 

في الآونة الأخيرة، تزايدت وتيرة النقاشات عبر منصات التواصل الاجتماعي حول بعض الأنظمة الغذائية التي يصفها خبراء بأنها "متطرفة"، ولعل أبرزها ما يُعرف بـ "برنامج الطيبات". هذا النظام الذي أثار جدلاً واسعاً بسبب منعه لمجموعات غذائية أساسية مثل الدواجن، والبيض، والخضروات الورقية، وفي المقابل سماحه بالسكريات والنشويات المكررة.

موقع "بلكي نيوز" التقى أخصائية التغذية العلاجية والطب الوظيفي، الأستاذة لبنى عبيدات، لنضع أمامها هذه الأطروحات ومناقشتها من منظور علمي وطبي دقيق، بهدف تبيان الحقائق وحماية الصحة العامة.

بلكي نيوز: أهلاً بكِ أستاذة لبنى عبر موقع  "بلكي نيوز". نبدأ من السؤال الأبرز؛ ما هو الرد العلمي الحاسم على حظر "برنامج الطيبات" لمصادر بروتينية رئيسية كالدواجن والبيض والبقوليات، وما مخاطر هذا الإقصاء على الكتلة العضلية ومخزون الحديد في الجسم؟

الأخصائية لبنى عبيدات: أهلاً بكم و بمتابعي موقع  "بلكي نيوز". في الواقع، إن حظر الدواجن والبيض والبقوليات لا يستند إلى أي دليل علمي معتمد؛ فهذه الأغذية تُعد من أهم مصادر البروتين، والحديد، والزنك، بالإضافة إلى فيتامينات أساسية يحتاجها الجسم بشكل يومي.

الاستبعاد الطويل لهذه المجموعات الغذائية يحمل مخاطر حقيقية؛ فهو قد يؤدي إلى ضعف الكتلة العضلية، والشعور المستمر بالإرهاق، ونقص مخزون الحديد، وخاصة لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر مثل النساء، والمراهقين، وكبار السن. أود أن أشير أيضاً إلى أن البقوليات تحديداً توفر بروتيناً وأليافاً أثبتت الدراسات ارتباطها الوثيق بانخفاض مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكري، وحرمان الجسم منها بلا مبرر طبي هو إجراء غير صحي.

بلكي نيوز: يزعم مروجو هذا النظام أن الخضروات والورقيات لا تصلح للاستهلاك البشري وتجهد الأمعاء؛ كيف تفسرين الأهمية الحيوية للألياف والميكروبيوم لصحة القولون في مواجهة هذه الادعاءات؟

الأخصائية لبنى عبيدات: هذا الادعاء بأن الخضروات والورقيات “غير صالحة للاستهلاك البشري” يناقض تماماً كل ما نعرفه علمياً وتطبيقياً عن صحة الجهاز الهضمي. فالألياف الموجودة في الخضار هي الغذاء الأساسي الذي يغذي البكتيريا النافعة في القولون (الميكروبيوم).

حين تتغذى هذه البكتيريا على الألياف، تنتج مركبات حيوية تحمي بطانة الأمعاء وتقلل من مستويات الالتهاب. الميكروبيوم الصحي ليس مجرد مسألة هضم، بل هو مرتبط بقوة بتحسن المناعة، وصحة القولون، وحتى بالصحة النفسية؛ لذلك فإن "شيطنة" الخضروات بشكل مطلق هو طرح غير دقيق طبياً وعارٍ عن الصحة.

بلكي نيوز: لعل ما يُقنع البعض بهذا النظام هو النتائج السريعة؛ كيف تفسرين علمياً شعور بعض متبعي هذا البرنامج بارتياح مؤقت في جهازهم الهضمي؟ وهل يعود ذلك لنجاح النظام أم لقطع عشوائي ومؤقت لبعض الأطعمة المهيجة؟

الأخصائية لبنى عبيدات: هذا التساؤل مهم جداً. نعم، بعض الأشخاص قد يشعرون براحة مؤقتة في الجهاز الهضمي عند اتباع هذا النظام، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه نظام صحي أو علاجي. التحسن هنا يعود ببساطة إلى حذف بعض المكونات التي قد تسبب أعراضاً تحسسية أو تهيجاً عند بعض الناس بشكل خاص؛ مثل "اللاكتوز"، أو "الغلوتين" لدى من لديهم حساسية أو عدم تحمل، أو نتيجة قطع أطعمة غنية بـ "الفودماب" (FODMAP) مثل الثوم والبصل، والتي تزيد عادة من الانتفاخ لدى مرضى القولون العصبي.

كذلك، فإن انخفاض الألياف الشديد في هذا النظام قد يقلل مؤقتاً من الغازات والانتفاخ، لكنه لا يُعد أمراً صحياً على المدى الطويل لأن الألياف —كما ذكرت— ضرورية لحياة القولون والميكروبيوم. وفي المقابل، فإن احتواء النظام على كميات كبيرة من السكريات والنشويات المكررة مثل النوتيلا والحلويات لا يجعل منه نظاماً علاجياً بأي حال، بل قد يؤدي مع الوقت إلى آثار سلبية وخيمة على التمثيل الغذائي وصحة الجسم بشكل عام.

بلكي نيوز: بالحديث عن السكريات؛ ما هو تقييمكِ الطبي للسماح بالنشويات المكررة والسكريات بكثافة في هذا النظام، مقابل تصريحات صاحبه المثيرة للجدل بأن "السيجارة أخف ضرراً من الزيوت النباتية"؟

الأخصائية لبنى عبيدات: السماح بكميات كبيرة من السكريات والنشويات المكررة يتعارض كلياً مع المبادئ التغذوية والطبية الحديثة؛ إذ إنها ترتبط بشكل مباشر بارتفاع خطر الإصابة بالسمنة، ومقاومة الإنسولين، وتراكم الدهون على الكبد.

أما بالنسبة لمقارنة الزيوت النباتية بالسجائر، فهي مقارنة غير علمية إطلاقاً وشعبوية؛ فالضرر الصحي للتدخين مثبت قطيعةً بالدراسات والأدلة الطبية ولا يمكن مقارنته بغذاء، ومثل هذه التصريحات تفتقر إلى الدقة العلمية.

بلكي نيوز: يصف هذا النظام اللبن السائل بـ "السم للبالغين"؛ ما هي الحقيقة العلمية وراء هذه الشيطنة لمشتقات الحليب، وما أثر حرمان الجسم منها على صحة العظام؟

الأخصائية لبنى عبيدات: وصف الحليب بأنه “سم للبالغين” هو تبسيط مضلل جداً وتعميم خاطئ. نعم، هناك فئة من الأشخاص يعانون من عدم تحمل اللاكتوز (سكر الحليب)، لكن هذا لا يعني أبداً أن جميع مشتقات الحليب ضارة للجميع.

الألبان ومنتجات الحليب توفر عنصراً حيوياً وهو الكالسيوم، بالإضافة إلى البروتين وفيتامينات هامة جداً لصحة العظام، والأسنان، والعضلات. وحرمان الجسم من هذه المجموعات الغذائية دون تأمين بدائل مدروسة ومحسوبة قد يرفع بشكل كبير خطر نقص الكالسيوم، وبالتالي ضعف الكثافة العظمية والتعرض لهشاشة العظام مستقبلاً.

بلكي نيوز: أمام سيل الفيديوهات المنتشرة؛ كيف يمكن للمجتمع الطبي والمنصات الإعلامية حماية المواطنين من فخ "التجارب الشخصية الفردية" التي تُروّج عبر السوشيال ميديا كبديل للأبحاث والدراسات السريرية المحكمة؟

الأخصائية لبنى عبيدات: حماية الناس من تأثير “التجارب الشخصية” تبدأ أولاً بنشر الوعي بأن التجربة الفردية ليست دليلاً علمياً يُقاس عليه. قد يتحسن شخص ما لسبب خاص جداً يتعلق بطبيعة حالته الجينية أو المرضية وحده، لكن الطب لا يُبنى على الفردية، بل يعتمد على الدراسات السريرية المحكمة التي تُجرى على أعداد كبيرة من البشر وتخضع للمراجعة والتدقيق العلمي الصارم قبل اعتمادها.

لذلك، يقع على عاتقنا نحن كمختصين، وعلى عاتق الإعلام الصحي المسؤول كمنصتكم، أن نوضح للجمهور دائماً الفرق بين المحتوى التوعوي المبني على الأدلة والبراهين، وبين النصائح العشوائية والفردية التي تُقدَّم على منصات التواصل الاجتماعي على أنها "علاج سحري وشامل".

بلكي نيوز: ختاماً؛ ما هي الأنظمة الغذائية العلاجية المعتمدة عالمياً (كحميات الإقصاء المؤقت) التي توفر بديلاً آمناً وعلمياً لمرضى القولون والأمراض المناعية دون الحاجة لاتباع حميات متطرفة؟

الأخصائية لبنى عبيدات: لحسن الحظ، توجد أنظمة علاجية معتمدة عالمياً وموثقة علمياً بكفاءة لمرضى القولون والأمراض المناعية؛ من أبرزها حمية "خفض الفودماب" (Low-FODMAP) التي تُستخدم "لفترة مؤقتة" لمرضى القولون العصبي لتهدئة الأعراض، بالإضافة إلى الحميات العلاجية المضادة للالتهاب، أو أنظمة الإقصاء المحددة والمنظمة.

الفرق الأساسي والجوهري بين هذه الأنظمة العلمية وبين الحميات المتطرفة، هو أن الأنظمة المعتمدة تكون مؤقتة، ومدروسة بعناية، وتُبنى على التشخيص والمتابعة الطبية الفردية لكل مريض، وليس على التخويف وبث الرعب من مجموعات غذائية كاملة أو إطلاق وعود علاجية مطلقة وغير واقعية.

بلكي نيوز: أخصائية التغذية العلاجية والطب الوظيفي الأستاذة لبنى عبيدات، شكراً جزيلاً لكِ على هذا التوضيح العلمي الراقي والقيم.

الأخصائية لبنى عبيدات: العفو، وشكراً لكم في "بلكي نيوز" على تسليط الضوء على هذه المواضيع التي تمس صحة المواطن بشكل مباشر.