الأردن في خطاب الملك عبدالله الثاني خلال عيد الاستقلال الثمانين: معادلة الصمود التي لا تُكسر

كتبت - نور الدويري
في عيد الاستقلال الثمانين، لم يأتِ خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني بوصفه احتفاءً بالماضي فقط، بل كإعلان عن معادلة حكم تقوم على يقين داخلي ودور إقليمي يصعب تجاوزه. خطاب يقرأه الأردني فيطمئن، بينما يقرأه الخارج بوصفه رسالة سياسية تحمل أبعاداً تتجاوز المناسبة نفسها.
ركّز جلالته على البعد الديني والرمزي للأردن باعتباره مرتكزاً للهوية الوطنية، فالأردن هنا ليس مجرد جغرافيا، بل مساحة تلتقي فيها القيم الإبراهيمية ضمن نموذج يقدّم الاستقرار بوصفه ثقافة سياسية وإنسانية مشتركة. وفي منطقة فقدت فيها دول كثيرة توازنها حين تآكلت رمزية الدولة، يحاول الأردن تقديم نفسه كنموذج للاستقرار والاعتدال، وهي إحدى أهم أدواته السياسية خارج حدوده.
ولم يتجاهل الخطاب التحديات، بل اعترف بها بصورة مباشرة، وهو ما يعكس تحولاً واضحاً في خطاب الدولة خلال السنوات الأخيرة، فالإدارة السياسية والأمنية في عهد الملك عبدالله الثاني اتجهت نحو تعزيز القرب بين الدولة والمجتمع، فمن خلال الحضور الميداني للملك والملكة وولي العهد، ثم كسر الحواجز التقليدية بين العرش والشعب، ولم تكن نتائج ذلك بروتوكولية فقط، بل انعكست على المزاج العام وثقة الشارع بالدولة.
وظهر ذلك بوضوح خلال التصعيد الإقليمي الأخير بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، حيث بدا التفاعل المجتمعي الأردني أكثر ميلاً إلى التماسك والثقة بالمؤسسات، مع ارتفاع منسوب اليقين بأن الدولة قادرة على احتواء الأزمات وتجاوزها. .
لكن هذا اليقين لا يكتمل دون مسار سياسي موازٍ فالخطاب حمل إشارة واضحة إلى أن الحواضن الهاشمية لا تلغي الحاجة إلى أحزاب فاعلة وبرلمانات قوية، لأن الاستقرار لا يُبنى على الثقة وحدها، بل على مؤسسات قادرة على تحويل الثقة إلى سياسات وإصلاحات ملموسة.
ومن هنا، يبدو أن الأردن يحاول إعادة تعريف السياسة باعتبارها أداة لتعزيز الصمود الداخلي، لا مدخلاً للانقسام أو الفوضى، في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
أما القضية الفلسطينية، فحضرت بشكل غير مباشر برمزية عامه في خطابه على التحديات التي تواجه الأردن ويجيد الاعتناء بها وتجاوزها بوصفها جزءاً من معادلة الأمن والهوية الوطنية الأردنية، فمن خلال تحركات الملك الدولية، يمكن ملاحظة أن عمّان لا تتعامل مع الملف الفلسطيني باعتباره قضية خارجية فقط، بل كامتداد مباشر لاستقرارها السياسي والاجتماعي. ولهذا، يصعب تجاوز الدور الأردني في ملفات القدس واللاجئين وأي تسوية إقليمية مرتبطة بالاستقرار في المنطقة.
كما أعاد الخطاب تعريف مفهوم الأمن، بحيث لم يعد مرتبطاً فقط بالسلاح والحدود، بل بثقة المواطن بمؤسساته وإحساسه بأن الدولة لا تتخلى عنه. وفي منطقة تفككت فيها الجيوش الوطنية لصالح المليشيات، يقدّم الأردن نموذجاً مختلفاً يقوم على العلاقة المتماسكة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع، وهي معادلة ساهمت في الحفاظ على استقرار الدولة رغم محدودية الموارد وتعقيدات الإقليم.
وفي هذا السياق، برزت رمزية كلمة "أبشر" باعتبارها تعبيراً مكثفاً عن العلاقة بين الأردني ودولته، علاقة تقوم على الشراكة المعنوية والثقة المتبادلة. وفي بلد يواجه تحديات اقتصادية وضغوطاً إقليمية مستمرة، تبقى هذه الثقة جزءاً أساسياً من قوة الجبهة الداخلية وقدرتها على الصمود.
الملك لم يقدّم وعوداً وردية، بل أقرّ بصعوبة المرحلة المقبلة وما تحمله المنطقة من ارتدادات سياسية وأمنية. غير أن هذا الاعتراف بحد ذاته يعكس نهجاً يقوم على إدارة الأزمات بواقعية، بعيداً عن الخطابات الشعبوية أو الوعود غير القابلة للتحقق.
خلاصة الخطاب أن الأردن، رغم صغر حجمه الجغرافي، ما يزال يحاول تثبيت نفسه كدولة توازن واستقرار في إقليم مضطرب. داخلياً، يقوم ذلك على ترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، وخارجياً على الحفاظ على دور سياسي معتدل ومتوازن. لكن التحدي الأهم يبقى في تحويل هذا اليقين السياسي إلى نتائج اقتصادية وإصلاحية يشعر بها المواطن بصورة مباشرة، لأن الرموز تصنع المعنويات، لكن بناء الدول يحتاج أيضاً إلى سياسات وإنجازات مستدامة.



















