+
أأ
-

شيرين قسوس : ارفع صوتك... أخفِ السعر... ثم اختفِ بعد البيع!

{title}
بلكي الإخباري

 

تحول جزء من الإعلانات التجارية على مواقع التواصل في الأردن إلى مسرحية مكررة لا تحترم عقل المشاهد. يبدأ الإعلان بالصراخ وكأن رفع الصوت هو البديل عن جودة المنتج، ثم ينطلق البائع في تكرار المواصفات بطريقة استعراضية، لكنه يتعمد إخفاء أهم معلومة يبحث عنها أي إنسان يفكر بالشراء: السعر. ليس لأن السعر سرًا، بل لأن كثرة التعليقات التي تسأل "بكم؟" تعني تفاعلًا أكبر، والتفاعل يعني وصول الإعلان إلى عدد أكبر من الناس. إنها حيلة تخدم الصفحة وحدها، بينما يهدر وقت آلاف الأشخاص.

إخفاء السعر ليس احترافًا في التسويق، بل التفاف على حق المشتري في معرفة تكلفة ما يشاهده قبل أن يضيع وقته. المشتري الحقيقي لن يكتفي بمعرفة السعر، بل يريد أن يعرف جودة المنتج، ومصدره، وضمانه، وخاماته، وعمره الافتراضي. أما تحويل خانة التعليقات إلى طابور طويل من كلمة "السعر؟" فليس إنجازًا، بل دليل على أن الإعلان عاجز عن تقديم أبسط معلومة يجب أن تكون أمام عين المشاهد منذ الثانية الأولى.

ثم تبدأ الفقرة الأكثر إثارة للسخرية. إذا كان المنتج كرسيًا بلاستيكيًا، يمسكه البائع ويرميه بكل قوته على الأرض مرة بعد أخرى، وكأنه يصور إعلانًا لمصارعة حرة لا لمنتج منزلي. وإذا كانت كنبة صغيرة مخصصة للأطفال، يصعد عليها أحد الموظفين بكل ثقله ليعلن انتصارًا تاريخيًا ويثبت أنها "جبارة". أي منطق هذا؟ هل سيستخدم الناس الكرسي بقذفه على البلاط عشرات المرات؟ وهل اشترى أحد كنبة أطفال ليقف عليها رجل بالغ؟ هذه ليست طريقة لإثبات الجودة، بل استعراض فارغ يكشف فقرًا في أساليب التسويق، واستخفافًا بعقل المشاهد.

وما إن يثبت العميل طلبه حتى يبدأ الفصل الثاني. الوعود الرنانة تختفي، والردود السريعة تصبح بطيئة، وعندما يصل المنتج ويكتشف المشتري مشكلة أو اختلافًا عما شاهده، يبدأ مسلسل التجاهل. الرسائل تبقى بلا إجابة، والاتصالات لا تجد من يرد عليها، وكأن العلاقة بين البائع والعميل انتهت بمجرد وصول ثمن السلعة إلى جيب البائع.

ومن أكثر العبارات المستفزة أن بعض الصفحات تكتب بكل فخر: "نوفر خدمة معاينة المنتج قبل الاستلام." أي خدمة هذه؟ المعاينة ليست فضلًا من البائع، وليست منّة يتباهى بها، بل هي حق طبيعي لكل مشترٍ قبل أن يدفع ماله. من غير الأخلاقي تسويق الحقوق الأساسية على أنها امتيازات استثنائية، وكأن البائع يقدم معروفًا للمشتري، بينما هو في الحقيقة يلتزم بأبسط قواعد البيع المحترم.

أما خدمة ما بعد البيع، فهي بالنسبة لكثير من الصفحات مجرد عبارة جميلة لا وجود لها على أرض الواقع. عند أول خلل في المنتج، أو أول طلب استبدال، أو أول مطالبة بالضمان، يختفي الجميع. هنا تظهر الحقيقة، ويتبين أن بعض الصفحات كانت تبحث عن بيع سريع فقط، لا عن بناء سمعة أو علاقة ثقة مع العملاء.

ولا تقف المشكلة عند هذا الحد، فهناك من وجد وسيلة أخرى لاستغلال الناس. بعض التجار يطلبون بضائعهم من مواقع التسوق الصينية مثل شي إن، حيث قد تكون القطعة معروضة للمستهلك العادي بثلاثة دنانير تقريبًا، ثم تظهر على بعض الصفحات المحلية بسعر خمسة عشر دينارًا أو أكثر. والمفارقة أن التاجر لا يدفع أصلًا سعر الثلاثة دنانير، لأنه يشتري بكميات كبيرة ويحصل على أسعار أقل من ذلك بكثير. ومع هذا يبيعها بأضعاف قيمتها، معتمدًا على جهل كثير من الناس بمصدر هذه البضاعة وسعرها الحقيقي. الربح حق مشروع، لكن تحويل سلعة رخيصة إلى سلعة تباع بخمسة أضعاف أو أكثر، دون أي قيمة مضافة أو خدمة حقيقية، ليس شطارة في التجارة، بل جشع واستغلال لغياب معرفة المستهلك.

ولا يكتفي بعضهم بكل ذلك، بل يلجأ إلى أساليب ضغط نفسي مكشوفة. عبارة "آخر قطعة" تتكرر كل يوم، و"العرض ينتهي اليوم" لا ينتهي أبدًا، و"الكمية محدودة" تتحول إلى كمية لا تنفد مهما مر من الوقت. هذه ليست وسائل تسويق ذكية، بل محاولات لدفع المستهلك إلى اتخاذ قرار متسرع خوفًا من ضياع الفرصة. التاجر الواثق من بضاعته لا يحتاج إلى تخويف الناس أو استعجالهم، لأن المنتج الجيد يبيع نفسه بالصدق، لا بالخداع.

والأكثر خطورة أن كثيرًا من هذه الصفحات لا تملك أصلًا محلًا معروفًا على أرض الواقع، ولا عنوانًا واضحًا، ولا حتى رقم هاتف يمكن التواصل من خلاله. مجرد صفحة على فيسبوك يمكن تغيير اسمها أو إغلاقها في دقائق، ثم تبدأ من جديد باسم آخر. ومن يطلب من الناس تحويل أموالهم أو الشراء منه، عليه أولًا أن يقدم هويته الحقيقية، لا أن يختبئ خلف شاشة ومنشورات ممولة.

انظر إلى كثير من الإعلانات في الغرب، تجد منتجًا يُعرض بهدوء، وسعرًا واضحًا، ومواصفات دقيقة، وضمانًا معلنًا، وسياسة استبدال معروفة. لا أحد يصرخ في وجهك، ولا أحد يرمي الكراسي على الأرض، ولا أحد يقف فوق أثاث الأطفال ليقنعك أنه متين. لا أحد يختبئ خلف عبارة "راسلنا للسعر"، ولا يخدع الناس بعروض تنتهي كل يوم ثم تعود في اليوم التالي. هناك يُعامل المستهلك على أنه شخص يستحق الاحترام، بينما يحاول البعض هنا معاملته على أنه مجرد رقم يرفع التفاعل ويحقق الربح.

التجارة ليست صراخًا، وليست تمثيلًا، وليست خدعًا لزيادة التعليقات، وليست إخفاءً للأسعار، وليست اختفاءً بعد استلام الأموال، وليست استغلالًا لجهل الناس بمصادر البضائع وأسعارها الحقيقية، وليست صناعة وهم اسمه "آخر فرصة" كل أربع وعشرين ساعة. التجارة الحقيقية هي وضوح، وصدق، واحترام، والتزام. أما من يبني مبيعاته على الضجيج، والتضليل، واستغلال جهل الناس، فقد يربح صفقة اليوم، لكنه يخسر سمعته وثقة الناس، وعندما تضيع الثقة فلا يوجد إعلان ممول قادر على شرائها من جديد.