حكومة جعفر حسان: الرهان على "عامل الوقت" في مواجهة التآكل المتسارع

خاص - بينما يلوذ رئيس الوزراء جعفر حسان بصمتٍ يوحي بالرهان على "ذاكرة الشارع القصيرة" لتجاوز العواصف الشعبية، تفيد قراءات الصالونات السياسية العميقة بأن هذا الهدوء قد يكون الهدوء الذي يسبق الرحيل الوشيك. فالأزمة الراهنة لم تعد مجرد "مطبات حكومية" عابرة، بل تحولت إلى متوالية هندسية من الإخفاقات التي بدأت تقوّض الشرعية السياسية للفريق الوزاري، معززةً الانطباع بعجز الدوار الرابع عن التقاط نبض الشارع أو استباق الأزمات قبل انفجارها.
وجاءت عطلة عيد الأضحى لتعري مكامن الخلل التواصلي، حيث تحولت وزارة البيئة من منصة توعوية إلى "خندق مناكفة شعبية" عبر حملة "استحوا وعيب عليكوا". هذه السقطة اللغوية لم تكن زلة لسان، بل عكست عقلية "الفوقية الرسمية" التي تُلقي بتبعات الفشل الخدمي على كاهل المواطن، لتحول ملفاً بيئياً روتينياً إلى قضية كرامة وطنية أشعلت منصات التواصل، وكشفت عن فجوة هائلة في بروتوكول الخطاب الحكومي.
ولم تكن الملفات التشريعية والاقتصادية بأفضل حالاً؛ إذ بدا الارتباك جلياً في إدارة ملف تعديلات قانون العمل، الذي تسلل إلى المشهد دون حوار وطني حقيقي أو تسويق سياسي ذكي، لينتهي به المطاف في مواجهة جدار صلب من الرفض العمالي والنقابي، مما أفقد الحكومة رصيداً شعبياً هائلاً في وقت هي أحوج ما تكون فيه لبناء الجسور لا هدمها.
وتكرر السيناريو ذاته في "ملف الزيت" وتداعيات طرح "الزيت التونسي" في الأسواق؛ فبدلاً من تقديم حلول حمائية ذكية تضمن استقرار السوق دون المساس بالمنتج المحلي، غرقت الحكومة في مستنقع الجدل حول الجودة ومخاوف الغش. هذا التخبط حوّل قضية استيراد روتينية إلى قضية رأي عام تمس الأمن الاقتصادي والغذائي للمواطن، مما يعكس غياب الرؤية الاستباقية في احتواء الأزمات قبل تفاقمها.
المعضلة الحقيقية التي تواجه الرئيس حسان اليوم لا تكمن في وقوع أخطاء، فالحكومات ليست معصومة، بل في "مأسسة الخطأ" وتكراره بنمطية واحدة عبر حقائب متعددة. هذا الإصرار على الاحتفاظ بوزراء تحولوا من "رجال دولة" إلى "عبء سياسي" على كاهل الرئاسة، يضع علامات استفهام كبرى حول البوصلة السياسية للحكومة وقدرتها على البقاء.
القراءة التاريخية للمشهد السياسي الأردني تؤكد أن الحكومات لا تسقط بـ "الضربة القاضية" لأزمة منفردة، بل بـ "النقاط" عبر تراكم الخيبات الصغيرة التي تتجمع لتشكل قناعة عامة باستحالة استمرار النهج بعد تآكل عنصر الثقة. والسؤال الذي يتردد اليوم في الكواليس ولم يعد ممكناً القفز فوقه: هل يملك حسان ترف الوقت لإجراء تعديل وزاري جراحي ينقذ ما يمكن إنقاذه؟ أم أن قطار التغيير قد تجاوز التعديل بالكامل، وباتت الحكومة برمتها في انتظار قرار المغادرة؟

















