حين يفشل المدير العام في كسب فريقه… من يقيّم القيادة في مؤسساتنا؟

د. دانييلا القرعان
في كثير من المؤسسات الحكومية، لا تُقاس كفاءة المدير العام فقط بما ينجزه من ملفات أو ما يرفعه من تقارير، بل بقدرته على بناء فريق متماسك يشعر أفراده بالاحترام والتحفيز، ومع ذلك، تتكرر مشاهد لمديرين يغلقون أبواب مكاتبهم، ويضيّقون على موظفيهم، ويدفعون الكفاءات إلى المغادرة، في تناقض واضح مع أبسط مبادئ الإدارة الحديثة، المشكلة هنا لا تكمن فقط في سلوك فردي، بل في غياب أدوات التقييم الشامل، فالمدير الذي يتباهى بشهاداته وإنجازاته قد يفشل في أهم اختبار: كسب ثقة فريقه، إذ لا قيمة لأي إنجاز إداري إذا كان على حساب بيئة عمل سلبية تُفرغ المؤسسة من خبراتها وتضعف إنتاجيتها على المدى الطويل،
لقد أثبتت تجارب الإدارة الحديثة أن القيادة الفعالة تقوم على التواصل والانفتاح والقدرة على الاستماع، لا على فرض الهيبة أو العزلة، ومن هنا يبرز سؤال مشروع: لماذا لا يكون للموظفين دور في تقييم مديرهم الأعلى؟ في العديد من الأنظمة الإدارية المتقدمة يُعتمد ما يُعرف بالتقييم الشامل أو “التغذية الراجعة 360 درجة”، حيث يُقيَّم المسؤول من قبل مرؤوسيه وزملائه، وليس فقط من قبل رؤسائه، وهو ما يمنح صورة واقعية عن بيئة العمل ويساعد على كشف فجوات القيادة وتصحيح المسار مبكراً.
إن اعتماد تقييم نصف سنوي سري ومنهجي للمديرين العامين من قبل الموظفين يمكن أن يشكل مؤشراً حقيقياً على قدرتهم على القيادة، وليس مجرد إدارة ملفات، وقد لا يقل دور الوزير المختص أهمية عن أي نظام تقييم، إذ لا ينبغي أن تقتصر الرقابة على الإنجاز الورقي أو المؤشرات الرقمية، بل يجب أن تمتد لتشمل مدى انسجام المدير مع فريقه، ومستوى الرضا الوظيفي داخل المؤسسة، واستقرار الكفاءات وعدم تسربها. فمدير ناجح على الورق لكنه مكروه من موظفيه هو في الحقيقة مشكلة مؤجلة، ستنعكس آثارها عاجلاَ أم آجلاً على الأداء العام، ومن هنا تبرز الحاجة إلى أن يقوم الوزير بمتابعة هذا الجانب بشكل مباشر، باعتباره مؤشراً حقيقياً على نجاح أو فشل القيادة.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تتطلب قرارات معقدة بقدر ما تحتاج إلى إرادة إدارية حقيقية، تبدأ باعتماد نظام تقييم دوري سري للمديرين من قبل الموظفين، وربط نتائجه بقرارات التجديد أو النقل أو المساءلة، مروراً بإنشاء قنوات آمنة لتلقي شكاوى الموظفين دون خوف، ووصولاً إلى تدريب القيادات على مهارات التواصل والقيادة الإنسانية، وتعزيز ثقافة “الباب المفتوح” بدل الإدارة من خلف الأبواب المغلقة.
في النهاية، المدير العام ليس مجرد صاحب قرار فحسب بل هو قائد لفريق بشري، وإذا فقد هذا الفريق ثقته به، فإن أي إنجاز يحققه يصبح هشاً وقابلاً للانهيار، إن بناء جهاز حكومي قوي لا يتحقق فقط عبر الخطط والاستراتيجيات، بل عبر قيادات قادرة على كسب احترام موظفيها قبل فرض سلطتها عليهم، ومن هنا يصبح إشراك الموظفين في تقييم قياداتهم، ومتابعة ذلك من قبل الوزراء، خطوة ضرورية نحو إدارة أكثر عدالة وكفاءة، حيث لا تُقاس القيادة بما يقوله المدير عن نفسه، بل بما يقوله عنه من يعملون معه كل يوم.



















