الأردن: ما بين رواية تُروى من الخارج وحقيقة تُبنى في الداخل

اللواء المتقاعد د. تامر المعايطة
في زمن تتزاحم فيه المصطلحات وتُعاد صياغة المفاهيم وفق ما يخدم مصالح القوى الكبرى، يصبح الوعي النقدي شرطاً أساسياً من شروط البقاء السياسي والثقافي. فليس كل ما يُصدَّر إلينا من تحليلات أو توصيفات يعكس الحقيقة، بل كثيرٌ منها يُراد به تكريس واقع التبعية وإعادة إنتاجه. من هنا، فإن ترديد ما يريده الاستعمار أو الغرب دون تمحيص أو مساءلة لا يمكن وصفه إلا بالخضوع الفكري والخنوع السياسي، لأنه يسلب الأمة قدرتها على تعريف ذاتها ورسم مساراتها.
إن المصطلح ليس بريئاً، فهو أداة صراع بحد ذاته. حين يُقال إن دولةً ما نشأت وفق ترتيبات خارجية، أو إن دورها وظيفي بحت، فإن هذا التوصيف يحمل في طياته حكماً مسبقاً يسعى إلى تقزيم التجربة الوطنية واختزالها في إرادة الآخر. غير أن القراءة المسؤولة لا تتوقف عند النشأة، بل تنظر إلى مسار التطور، وكيفية تعاطي الشعوب والقيادات مع التحديات، وقدرتهم على تحويل القيود إلى فرص.
ليس خافياً على أحد أن ظروف نشأة الدولة الأردنية ارتبطت بسياقات إقليمية ودولية معقدة في مطلع القرن العشرين. لكن اختزال هذا الوطن في تلك اللحظة التأسيسية هو ظلمٌ تاريخي وتحليلٌ قاصر. فالعبرة، كما يقول علماء السياسة، ليست في كيف تبدأ الدول، بل في كيف تستمر وتُعيد تعريف نفسها.
أما مسألة رسم الحدود الأردنية، التي كثيراً ما تُستحضر بوصفها دليلاً على صناعة خارجية. صحيح أن خطوط الحدود جاءت في سياق ترتيبات دولية بعد الحرب العالمية الأولى، (والأردن ليس منفرداً بذلك بل ينسحب الأمر على كافة الدول التي خضعت للاستعمار بعد الحكم العثماني)، لكن الأهم أن هذه الحدود لم تبقَ مجرد خطوط مرسومة على الورق، بل ترسخت عبر الزمن واستقرت في إطار العلاقات الدولية، وأصبحت معترفاً بها ومحمية بالقانون الدولي والسيادة الوطنية. هذه الحقيقة تعكس أن الشرعية لا تُستمد فقط من لحظة التأسيس، بل من الاستمرارية والاعتراف الدولي والقدرة على تثبيت الدولة كحقيقة راسخة على الأرض.
وهنا تتجلى خطورة العبث بالمصطلحات أو التشكيك غير المسؤول؛ فما ينطبق على الأردن من حيث التشكيك في النشأة يمكن أن يُسحب على حالات أخرى في المنطقة، وفي مقدمتها فلسطين. إن فتح هذا الباب لا يخدم القضايا العربية، بل قد يُستغل من قبل أعداء العرب التاريخيين، لتقويض الحقوق التاريخية والسياسية. فالتشكيك في الكيانات الوطنية تحت ذريعة الأصل الاستعماري قد يتحول إلى أداة لتصفية تلك الكيانات أو إضعاف مطالبها المشروعة.
لقد استطاع الأردنيون، بقيادتهم الهاشمية، أن يثبتوا أن الهوية لا تُفرض من الخارج، بل تُصاغ عبر الفعل والتراكم التاريخي. فالأردن لم يكن يوماً مجرد كيانٍ عابر في خريطة رسمتها قوى عظمى، بل تحول إلى دولة ذات حضور عربي أصيل، ارتبطت قضاياها بقضايا الأمة، ووقفت في محطات مفصلية إلى جانب محيطها، سياسياً وإنسانياً وثقافياً.
القيادة الهاشمية لعبت دوراً محورياً في هذا التحول؛ إذ لم تنفصل عن جذورها العربية، ولم تتنكر لامتدادها التاريخي في وجدان الأمة. بل على العكس، حافظت على هذا الارتباط كعنصر قوة وشرعية، ما جعل الأردن جزءاً فاعلاً في محيطه، لا مجرد متلقٍ للسياسات أو منفذٍ لإملاءات خارجية. هذه القيادة أدركت أن التحدي الحقيقي ليس في نفي التأثيرات الخارجية، بل في إدارة العلاقة معها بما يخدم المصلحة الوطنية العليا.
ومن هنا، يمكن القول إن التجربة الأردنية تقدم درساً مهماً في كيفية التعامل مع الإرث الاستعماري: ليس بالإنكار أو التبرير، بل بإعادة توظيفه ضمن مشروع وطني مستقل. فالسيادة ليست شعاراً يُرفع، بل ممارسة يومية تُترجم في القرار السياسي، وفي القدرة على الحفاظ على الاستقرار، وفي بناء مؤسسات قادرة على الصمود أمام تقلبات الإقليم.
إن الذين يكتفون بترديد الروايات الجاهزة عن أدوار مرسومة أو وظائف مفروضة، فصلاً أو وصلاً، يغفلون عن حقيقة أساسية: أن الشعوب ليست أدوات جامدة، بل قوى فاعلة قادرة على تغيير المعادلة. والأردنيون، عبر عقود من العمل والبناء، أثبتوا أنهم ليسوا مجرد موضوعٍ في كتب التاريخ، بل صُنّاعٌ حقيقيون له.



















