+
أأ
-

حكومة تبحث في جيوب مواطنيها أم عن مستقبلها؟

{title}
بلكي الإخباري

 

في كل مرة تعلن فيها الحكومة عن تعديل جديد للرسوم أو الضرائب أو الخدمات، يعود السؤال ذاته إلى أذهان الأردنيين: هل أصبحت جيوب المواطنين هي الخطة الاقتصادية الوحيدة المتبقية؟

فبينما تتراكم الديون عاماً بعد عام، وتتضخم فوائدها حتى أصبحت تستهلك جزءاً كبيراً من الموازنة العامة، لا تزال الحكومات المتعاقبة تتعامل مع المشكلة بالأسلوب ذاته؛ زيادة الرسوم، ورفع الكلف، وابتكار مصادر جديدة للتحصيل من المواطن، وكأن الأزمة تكمن في نقص ما يدفعه الأردنيون لا في طريقة إدارة الموارد والاقتصاد.

آخر الأمثلة على ذلك التعديلات المتكررة على الرسوم الحكومية ، ورفع ترخيص المركبات الكهربائية والتي تأتي في وقت يعاني فيه المواطن من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتباطؤ النمو الاقتصادي. وما يثير القلق ليس قيمة الرسم بحد ذاتها، بل العقلية التي تقف خلفه؛ عقلية تعتبر المواطن دائماً الحل الأسهل والأسرع لسد العجز وتمويل الإنفاق.

لقد وصل الأردن إلى مرحلة تستدعي وقفة جادة وصريحة. فبعد عقود من الاقتراض والمساعدات ورفع الرسوم والضرائب، لا يزال العجز قائماً، ولا تزال المديونية ترتفع، ولا تزال الحكومات تبحث عن الإيرادات في المكان ذاته. وهذا بحد ذاته مؤشر على وجود خلل بنيوي في الإدارة الاقتصادية وفي أولويات الإنفاق العام، لأن السياسات الناجحة يفترض أن تقلل الاعتماد على جيب المواطن مع مرور الوقت، لا أن تزيده. السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم: إلى متى سيبقى المواطن هو الحلقة الأضعف التي تتحمل نتائج سوء التخطيط وسوء الإدارة؟ وهل يعقل أن تتحول كل أزمة مالية أو فجوة في الموازنة إلى مبرر لفرض رسوم جديدة بدلاً من مراجعة السياسات الاقتصادية وإعادة هيكلة الإنفاق ومكافحة الهدر ورفع كفاءة المؤسسات العامة؟

إن التحدي الحقيقي ليس في إيجاد رسم جديد أو ضريبة جديدة، بل في الانتقال الجاد من اقتصاد يعتمد على الجباية إلى اقتصاد يعتمد على الإنتاج. فالدول لا تنهض بالرسوم، وإنما تنهض بالصناعة والزراعة والتكنولوجيا والاستثمار والتصدير وتشجيع المبادرات الريادية وخلق فرص العمل. لقد آن الأوان للانتقال من عقلية إدارة الأزمات إلى عقلية صناعة الفرص، ومن دولة تنتظر ما تجبيه من مواطنيها إلى دولة تنتج الثروة وتخلق القيمة المضافة. فالمواطن الأردني لم يعد يحتمل المزيد من الأعباء، كما أن استمرار النهج ذاته لن يؤدي إلا إلى النتائج ذاتها.

المطلوب اليوم ليس البحث عن جيوب الأردنيين، بل البحث عن مكامن القوة المعطلة في الاقتصاد الوطني، وإطلاق مشروع وطني حقيقي للتحول من دولة تعتمد على الإيرادات السهلة والجباية إلى دولة إنتاج قادرة على توليد النمو وفرص العمل والدخل المستدام.أما الاستمرار في النهج الحالي، فلن يكون سوى تأجيل للمشكلة وترحيل للأزمة من عام إلى آخر، بينما يدفع المواطن الثمن في كل مرة.

د. فوزان العبادي

الأمين العام لحزب التغيير.