+
أأ
-

المدن التنموية الصناعية: هل تقود التحول الاقتصادي أم تظل مساحات استثمارية بلا اتجاه استراتيجي؟

{title}
بلكي الإخباري

الدكتور عامر عبد الرؤوف السعايده

Amer.abbai@yahoo.com

         لا ينبغي النظر إلى المدن التنموية الصناعية باعتبارها مجرد مساحات استثمارية مفتوحة تستقبل أي نشاط اقتصادي، بل بوصفها أداة استراتيجية كان يُفترض أن تُسهم في تأسيس نهضة صناعية حقيقية وإعادة توجيه بنية الاقتصاد نحو الإنتاج والتصدير. غير أنّ السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نجحت هذه المدن بالفعل في تحقيق هذا الدور التحويلي، أم أنها ما تزال في حدود التجمعات الاستثمارية التي لم ترتقِ بعد إلى مستوى المشروع الصناعي التنموي المتكامل؟

       فالغاية من هذه المدن لم تكن زيادة عدد المشاريع أو استقطاب الاستثمارات فحسب، وإنما بناء قاعدة صناعية قادرة على تقليص الاعتماد على الواردات، وتعزيز الصادرات، ومعالجة الاختلالات المزمنة في الميزان التجاري الأردني، خصوصًا مع الشركاء التجاريين الذين يسجل معهم الأردن مستويات مرتفعة من العجز. ومن هنا، فإنّ تقييم التجربة لا ينبغي أن يُبنى على حجم المساحات المستغلة أو عدد المصانع القائمة، بل على طبيعة الصناعات المستقطبة ومدى قدرتها على خلق قيمة مضافة حقيقية وميزة تنافسية مستدامة.

     وعليه، فإنّ نجاح المدن التنموية الصناعية يُقاس بمدى مساهمتها في إحداث تحول هيكلي في الاقتصاد الوطني، عبر جذب استثمارات نوعية تعزز الترابط بين الصناعة والخدمات والبحث والتطوير، وتدفع نحو رفع الإنتاجية وتحسين القدرة التنافسية. فكل دينار يُستثمر في صناعة إنتاجية حقيقية لا يضيف فقط إلى الناتج المحلي، بل يخلق سلسلة من الآثار الاقتصادية الممتدة تشمل التشغيل والدخل والصادرات.

        كما أنّ توسع النشاط الصناعي داخل هذه المدن، لا سيما في القطاعات القادرة على تحسين الميزان التجاري وتعزيز الميزة التنافسية للاقتصاد الوطني، من شأنه أن يرفع الطلب على المدخلات المحلية والخدمات المساندة والعمالة الوطنية، بما يعزز دوران الدينار داخل الاقتصاد المحلي. وفي المقابل، فإنّ نمو الصادرات الصناعية يسهم في زيادة تدفقات العملات الأجنبية، الأمر الذي يدعم قدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته الخارجية، ويعزز الثقة بالعملة الوطنية واستقرارها.

       وفي هذا السّياق، تبرز الحاجة إلى إعادة تقييم دور المدن التنموية الصناعية ضمن إطار استراتيجية صناعية وطنية أشمل، تنطلق من مراجعة دقيقة للميزان التجاري، وتستند إلى مبدأ الميزة التنافسية، مع مراعاة التحولات الإقليمية والدولية في سلاسل الإنتاج والتجارة. فالمسألة لم تعد تتعلق بوجود هذه المدن بحد ذاتها، بل بمدى قدرتها على التحول من منصات استثمارية تقليدية إلى رافعة صناعية حقيقية تقود نهضة إنتاجية مستدامة في الاقتصاد الأردني.

        في المحصلة، يتضح أنّ المدن التنموية الصناعية تقف اليوم عند مفترق حاسم بين مسارها كمشاريع استثمارية توسّعية، وبين تحولها إلى رافعة حقيقية لنهضة صناعية قادرة على إحداث أثر اقتصادي ملموس. فنجاح هذه المدن لا يُقاس بما تم استقطابه من استثمارات أو ما أُنشئ من منشآت فحسب، بل بقدرتها على إحداث تحول نوعي في بنية الاقتصاد الوطني، يُعيد توجيهه نحو الإنتاج والتصدير ويعزز موقعه في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية.

      وعليه، فإنّ اختبار الجدوى الحقيقي لهذه المدن يرتبط بمدى إسهامها في معالجة الاختلالات الهيكلية، وفي مقدمتها العجز التجاري، وبقدرتها على استقطاب صناعات ذات قيمة مضافة وميزة تنافسية مستدامة. كما أنّ دورها الاقتصادي يتعاظم كلما نجحت في خلق ترابط فعّال بين الصناعة والخدمات والبحث والتطوير، بما يرفع الإنتاجية ويعزز القدرة التنافسية للاقتصاد الأردني.

     وفي ضوء ذلك، فإنّ مستقبل المدن التنموية الصناعية لن يُحسم بتوسعها الجغرافي أو بعدد المشاريع القائمة فيها، بل بمدى تحولها إلى منظومات إنتاج متكاملة تدعم الاستراتيجية الصناعية الوطنية، وتنسجم مع التحولات الإقليمية والدولية، وتسهم في بناء اقتصاد أكثر توازناً وقدرة على توليد القيمة المضافة. عندها فقط يمكن القول إنّ هذه المدن قد انتقلت من كونها فضاءات استثمارية إلى ركيزة أساسية في مشروع نهضة صناعية مستدامة.