+
أأ
-

الحسين... حين يصبح الزمن شاهدًا على الرجال

{title}
بلكي الإخباري

 

النائب الكابتن زهير محمد الخشمان 

ليست قيمة الإنسان فيما يضيفه العمر إلى سنواته، بل فيما يضيفه إلى عمر وطنه. فكم من أعمارٍ طالت ولم تترك أثرًا، وكم من رجالٍ اختصروا الزمن حتى بدا التاريخ وكأنه ينتظرهم ليكتب فصلًا جديدًا.

وفي الأردن، يبدو الحديث عن سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني مختلفًا عن أي حديثٍ آخر. لأن المسألة ليست عيد ميلاد أمير، ولا احتفاءً بتاريخٍ على ورقة، بل تأملٌ في فكرةٍ أكبر؛ فكرة الدولة حين تُحسن صناعة امتدادها، وحين تتحول القيادة من حدثٍ سياسي إلى حالةٍ من الثقة المتوارثة بين وطنٍ وشعب.

ليس من السهل أن تولد في بيتٍ يحمل من التاريخ ما يحمله الهاشميون. فالأسماء الكبيرة قد تكون نعمة، لكنها قد تتحول إلى امتحانٍ لا ينتهي. هناك من يرث الاسم فيعيش أسير ظله، وهناك من يدرك أن الإرث لا يحمله اللقب، بل يحمله العمل. ولهذا، فإن أكثر ما يلفت النظر في شخصية الأمير الحسين أنه لم يسعَ يومًا إلى أن يكون صدى لمن سبقه، بل اختار أن يكون امتدادًا طبيعيًا لمدرسةٍ تؤمن أن الشرعية لا تُصان بالخطب، وإنما بالفعل، وأن الدولة لا يحرسها السلاح وحده، بل يحرسها أيضًا العقل، والانتماء، والإخلاص.

منذ تأسيس الدولة الأردنية، لم يكن الهاشميون يبحثون عن مجدٍ شخصي، بل عن معنى. معنى الدولة التي تقف حين يسقط غيرها، وتتماسك حين تتشظى الجغرافيا من حولها، وتحفظ إنسانها قبل أن تحفظ حدودها. ومن هنا، فإن ولي العهد في الأردن ليس مجرد ترتيبٍ دستوري، بل هو جزءٌ من استمرارية فكرةٍ عمرها أكثر من قرن؛ فكرة أن الوطن لا يُدار بمنطق اللحظة، وإنما بمنطق الأجيال.

ربما لهذا السبب، يبدو الأمير الحسين مختلفًا عن الصورة التقليدية التي اعتادتها المنطقة عن الأمراء. فلا حضورٌ مصنوع أمام الكاميرات، ولا مسافةٌ مصطنعة بينه وبين الناس. ثمة إدراكٌ واضح بأن احترام المواطن لا يُكتسب بالمراسيم، بل بالميدان؛ وأن هيبة الدولة لا تعني أن تبتعد عن الناس، بل أن تكون بينهم دون أن تفقد وقارك.

لقد أدرك مبكرًا أن الجيل الجديد لا يريد من يحدثه عن المستقبل، بل من يمنحه القدرة على صناعته. فكان الشباب بالنسبة إليه مشروعًا وطنيًا، لا عنوانًا إعلاميًا. وكانت التكنولوجيا وسيلةً لبناء الإنسان، لا مجرد مظهرٍ من مظاهر الحداثة. وكانت المعرفة استثمارًا في أمن الدولة، لأن الدول التي تخسر عقول شبابها، تخسر معاركها قبل أن تبدأ.

وفي زمنٍ أصبحت فيه السياسة أسيرة ردود الأفعال، اختار أن يكون قريبًا من الأسئلة الكبرى: كيف يبقى الأردن قويًا وسط محيطٍ مضطرب؟ كيف تتحول التحديات إلى فرص؟ وكيف يمكن لدولةٍ محدودة الموارد أن تكون غنيةً بالإنسان، وبالثقة، وبقدرتها على الصمود؟

وهنا تكمن قيمة التجربة. فالأردن لم يكن يومًا دولةً تبحث عن مكانها على الخريطة، بل دولةً صنعت مكانتها رغم ضيق الجغرافيا وقلة الموارد. ولم يكن ذلك ليحدث لولا أن قيادته أدركت منذ البدايات أن بناء الإنسان هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر قيمته مع الزمن. واليوم، يبدو الأمير الحسين امتدادًا لهذه الفلسفة؛ لا باعتبارها شعارًا، بل باعتبارها ممارسةً يومية، تبدأ من الاستماع، وتنتهي بالفعل.

إن الأمم لا تطمئن لأنها تملك القوة فقط، بل لأنها تعرف أن مستقبلها يسير على ذات المبادئ التي صنعت ماضيها. وهذه هي الرسالة الأهم التي يبعثها حضور الأمير الحسين في الوعي الأردني؛ فهو لا يمثل جيلًا جديدًا فحسب، بل يمثل استمرارًا لعقدٍ تاريخي بين القيادة والشعب، عنوانه أن الدولة تبقى قوية ما بقيت وفيةً لقيمها، وأن الشرعية لا تُورث بالأسماء وحدها، بل تُجددها الخدمة، ويثبتها الإخلاص، ويحميها الصدق.

وفي عيد ميلاده الثاني والثلاثين، لا يحتاج الأردنيون إلى المبالغة في الثناء، فالأوطان لا تبنى بالمديح. لكنها تحتاج إلى أن تتوقف قليلًا لتتأمل معنى الاستمرارية؛ أن ترى في شباب ولي عهدها صورةً لدولةٍ لا تزال تؤمن أن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع، وأن القيادة ليست امتيازًا، بل مسؤولية تتسع كلما اتسع حب الوطن.

كل عام وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بخير.

وكل عام والأردن، بقيادته الهاشمية، يكتب فصلاً جديدًا من الحكاية نفسها؛ حكاية وطنٍ لم يقف يومًا عند حدود الممكن، لأنه آمن دائمًا أن الرجال الحقيقيين لا يقيسون الطريق بطوله، بل بما يتركونه عليه من أثر.