التعليم الدامج... خطوة نحو ترسيخ ثقافة تقبل الاختلاف

- قد لا يكون المشهد لافتا في نظر الكثيرين، طفلان يتشاركان المقعد ذاته يضحكان ويتبادلان الأدوات المدرسية كأي زميلين، أحدهما طالب من الأشخاص ذوي الإعاقة، إلا أن ما يجمعهما أكبر من أي اختلاف ،ففي هذا المشهد البسيط تكمن إحدى أهم غايات التعليم الدامج؛ أن يصبح الاختلاف أمرا طبيعيا لا سببا للعزلة أو التمييز.
ذلك المشهد الذي بات يتكرر في المدارس، يحمل في جوهره بعدا آخر لنجاح التعليم الدامج، يتجاوز إتاحة فرص التعلم إلى بناء بيئة مدرسية يتعلم فيها الأطفال أن الاختلاف جزء طبيعي من التنوع الإنساني، وأن لكل فرد الحق في التعلم والمشاركة.
وفي هذا الإطار، سلطت وكالة الأنباء الأردنية (بترا) الضوء على التجربة الأردنية في التعليم الدامج، من خلال استطلاع آراء خبراء ومختصين وذوي علاقة، للوقوف على مدى إسهامها في ترسيخ ثقافة تقبل الاختلاف واحترام التنوع بين الطلبة.
خبير التعليم الدامج وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة الدكتور أسامة جمعة، أكد أن التعليم الدامج أصبح أولوية وطنية في الأردن، مدعوما بالاستراتيجية العشرية للتعليم الدامج التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم، والهادفة إلى رفع نسبة التحاق الطلبة ذوي الإعاقة بالمؤسسات التعليمية، إلى جانب تعزيز الوعي بحقهم في التعليم.
وقال إن التجربة الأردنية بدأت تضع الأساس لبناء جيل أكثر تقبلا للاختلاف واحتراما للتنوع، مشيرا إلى أن المدارس في مختلف المحافظات أصبحت أكثر انفتاحا على مفهوم التعليم الدامج، بما يعكس الجهود المبذولة لترسيخ ثقافة التنوع داخل البيئة المدرسية.
وأضاف إن من أبرز المؤشرات على السير في الاتجاه الصحيح التزام المؤسسات التعليمية بتطبيق قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم (20) لسنة 2017، الذي يحظر استبعاد أي شخص من مؤسسة تعليمية بسبب الإعاقة، إلى جانب تراجع حالات الرفض وازدياد الوعي المجتمعي بحق الأشخاص ذوي الإعاقة في التعليم.
وأشار إلى أن التعليم الدامج لا ينعكس إيجابا على الطلبة ذوي الإعاقة فحسب، بل يمتد أثره إلى زملائهم غير ذوي الإعاقة، إذ يسهم بتنمية قيم التعاون واحترام التنوع وتقبل الاختلاف، فضلا عن تحسين فرص التعلم داخل الصفوف، وهو ما أكدته دراسات دولية تناولت أثر التعلم الدامج على جميع الطلبة.
وشدد جمعة، على أن نجاح التعليم الدامج لا يقاس بمجرد وجود الطالب ذي الإعاقة داخل المدرسة، بل بقدرته على بناء بيئة يشعر فيها جميع الطلبة بالانتماء والمشاركة، مؤكدا أهمية نشر قصص النجاح وتعزيز الوعي المجتمعي بالتعليم الدامج بوصفه حقا إنسانيا ونهجا تربويا مستداما.
من جانبه، أكد دكتور التربية الخاصة وتحليل السلوك والطفولة المبكرة حسين وريكات، أن التعليم الدامج يسهم منذ السنوات الأولى في تشكيل نظرة الأطفال إلى الاختلاف، موضحا أن الأطفال لا يولدون وهم يحملون أحكاما مسبقة، وإنما يكتسبونها من البيئة المحيطة بهم، ولذلك فإن نشأة الطفل في صف يضم طلبة بمتطلبات متنوعة تجعل الاختلاف بالنسبة له أمرا طبيعيا، لا شيئا غريبا أو استثنائيا، الأمر الذي يسهم في الحد من الوصمة الاجتماعية، ويؤسس لجيل أكثر تقبلا واحتراما للتنوع.
وأضاف إن التعليم الدامج، إذا طبق بصورة صحيحة، يحقق فوائد لجميع الأطفال؛ إذ يتيح للطلبة ذوي الإعاقة فرصا أكبر لتنمية مهارات التواصل والإدراك والتفاعل الاجتماعي والاستقلالية، فيما يكتسب أقرانهم من غير ذوي الإعاقة قيم الصبر واحترام الفروق الفردية والتعاون، مؤكدا أن نجاح الدمج لا يتحقق بمجرد وجود الأطفال في المكان نفسه، وإنما يتطلب إعدادا مناسبا للمعلمين وتوفير الدعم اللازم وخططا تربوية واضحة ليحقق الأهداف المرجوة.
وأشار إلى أن المدرسة والأسرة من أكثر المؤسسات تأثيرا في بناء ثقافة الدمج، وأن دور المعلم لا يقتصر على تدريس المنهج، بل يمتد إلى إيجاد بيئة صفية يشعر فيها كل طفل بأنه مقبول وآمن وله قيمة، مؤكدا أن نجاح التعليم الدامج يقاس بجودة مشاركة الطلبة ذوي الإعاقة في الحياة المدرسية وشعورهم بالانتماء، وأن أثره الحقيقي يظهر على المدى البعيد عندما يكبر الأطفال وهم يؤمنون بأن الاختلاف جزء طبيعي من الحياة، وأن لكل إنسان الحق في التعلم والمشاركة والاحترام.
وفي قصة نجاح حية، شكل الطفل عصام، الطالب في مدرسة الكرامة الأساسية الأولى، أنموذجا ملموسا لثمرات التعليم الدامج، بعد أن استطاع من خلال بيئة مدرسية حاضنة وشراكة أسرية تجاوز الكثير من التحديات السلوكية والاجتماعية التي يفرضها اضطراب طيف التوحد، محققا معدلا أكاديميا تميز بكفاءته الذاتية.
ووفقا لوالدي عصام، فإن الالتحاق بالمدرسة الدامجة شكل نقطة تحول جذرية في بناء شخصية عصام واستقلاليته؛ فبعد مرحلة تأسيسية ونظامية مهمة تلقاها في مركز "البنيات للتربية الخاصة"، ساهمت البيئة المدرسية في تعزيز اعتماده على نفسه، وتطوره العاطفي والاجتماعي، وقدرته على التعبير عن مشاعره وبناء علاقات زمالة حقيقية مبنية على التشارك والقبول.
وأشارا إلى أن دعم المدرسة لم يقتصر على الجانب الأكاديمي، بل شمل إشراكه في الأنشطة اللامنهجية، لا سيما الإذاعة المدرسية، التي أسهمت في تعزيز ثقته بنفسه وكسر حاجز الخوف، إلى جانب دعمه في بناء علاقات إيجابية مع زملائه.
ووجه والد الطفل عصام عبر (بترا) رسالة مؤثرة إلى الأسر والعائلات التي ما زالت تتردد في إلحاق أطفالها من ذوي الإعاقة بالمدارس الدامجة أو تفضل إبقاءهم معزولين عن المجتمع خشية نظرته، مؤكدا ضرورة تقبل الحالة والعمل على تهيئة الطفل وتدريبه في مرحلة ما قبل الدمج، قائلا إنه" على الأهل التمسك بحق أبنائهم بالتعليم والدمج ومواجهة الواقع؛ فالمسؤولية الأكبر تقع على عاتق الأسرة التي يجب أن تتعب على طفلها اليوم، لتضمن له مستقبلا مستقلا يعتمد فيه على نفسه ، فالدمج الحقيقي والوعي المجتمعي كفيلان بجعل الاختلاف أمرا غير ملحوظ.
ورغم أن ترسيخ ثقافة مجتمعية تتقبل الاختلاف يحتاج إلى وقت وجهد تراكمي، فإن التجربة الأردنية في التعليم الدامج تمضي بخطوات متقدمة نحو تحقيق هذا الهدف من خلال تنشئة أجيال ترى التنوع جزءا طبيعيا من الحياة، وتؤمن بحق الجميع في التعلم والمشاركة على قدم المساواة، فحين يصبح الاختلاف داخل الصف أمرا اعتياديا، يغدو احترام الآخر سلوكا راسخا يمتد أثره من المدرسة إلى المجتمع، ليشكل التعليم الدامج أحد أهم الاستثمارات في بناء مجتمع أكثر شمولا وعدالة















