المهندس وليد المصري وفريقه يكتبون ملامح إدارة محلية تفكر بعقل الدولة في مسار الإصلاح

نضال الثبيتات العمرو ..
شهدت مسودة قانون الإدارة المحلية لعام 2026 العديد من اللقاءات النقاشية والجلسات الحوارية بين الحكومة وأعضاء مجلس النواب ورؤساء بلديات سابقين من ذوي الخبرة؛ وكان ذلك في ضوء مخرجات لجنة التحديث السياسي، وسلسلة الحوارات التي أطلقتها الحكومة في دار رئاسة الوزراء حول تطوير منظومة التشريعات المتعلقة بالإدارة المحلية وأخذ الملاحظات والأفكار قبل إقراره.
أرصد ما يقدمه معالي المهندس وليد المصري منذ سنين؛ ولست في صدد المجاملة لمفكر بحجمه فما قدمه يعد انجاز يفوق ما قدمه البعض هنا او هناك وليس تقليلاً في احد؛ ولكن هذا الرجل عندما يكون بعيد عن كرسي المسؤولية تكون وجبته الشهية مجموعة من أحدث الكتب والمراجع والدراسات ذات العلاقة وحتى الروايات في بعض الأحيان يستخلص منها الدروس والعبر ويطورها ويحدثها لتلائم الزمان والمكان قدر المستطاع؛ وهذا ما يسبب لمتابعيه وراصدي عطائه أن تُنقل لهم عدوى ابو محيي.
وكأي مواطن أردني توفرت لدي نسخة من مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، و بعد مراجعة المواد تبين لي أن المشروع يمثل نقلة تشريعية نوعية مقارنة بالقانون النافذ، إذ لم يعد يقتصر على تنظيم البلديات، وإنما يحاول إعادة تعريف الإدارة المحلية باعتبارها أداة للتنمية الاقتصادية والاستثمار والحوكمة والتحول الرقمي والمشاركة المجتمعية؛ ويتضح ذلك من إدخال مفاهيم جديدة مثل الخطة الاستراتيجية، والخطة التنفيذية، والخطة الحضرية، ولجان الحوكمة، والشراكة مع القطاع الخاص، والتحول الرقمي، ولجان الأحياء، ووحدة التنمية المحلية، ومؤشرات الأداء؛ لكن عند التمحيص التشريعي، ما يزال المشروع يحتاج إلى استكمال عدد من المحاور الجوهرية حتى يصبح قانون يؤسس لإدارة محلية حديثة لعقدين أو ثلاثة عقود، وليس مجرد إعادة توزيع للصلاحيات.
أول ما لفت انتباهي أن المشروع يتحدث كثيراً عن الخطط، لكنه لم ينشئ نظام قانوني لقياس نتائج تلك الخطط؛ نعم هو ألزم البلديات بإعداد الخطط الاستراتيجية والتنفيذية والخطط الحضرية، وأوجب رفع تقارير دورية، لكنه لم يحدد مؤشرات أداء وطنية ملزمة تقاس على أساسها كفاءة كل بلدية أو محافظة؛ لذلك يفضل إضافة باب مستقل بعنوان ((إدارة الأداء))، يتضمن إلزام الوزارة بإصدار بطاقة أداء سنوية لكل بلدية، تشمل سرعة إصدار التراخيص، ونسبة تنفيذ المشاريع، ونسبة التحصيل، ومستوى رضا المواطنين، والاستدامة المالية، والتحول الرقمي، وجودة البيئة الحضرية، على أن تنشر النتائج للعامة.
بصراحة مشروع القانون توسع في تنظيم الاستثمار البلدي بصورة أفضل من التشريعات السابقة، وأدخل الشراكة مع القطاع الخاص، وأوجب دراسات الجدوى والإفصاح وحماية المال العام؛ غير أنه لم ينشئ منظومة متكاملة لجذب الاستثمار المحلي؛ فلا توجد نصوص تتعلق بإعداد خارطة استثمارية لكل بلدية، أو تحديد القطاعات الاستثمارية ذات الأولوية، أو إنشاء نافذة استثمارية موحدة، أو تحديد مدد قانونية ملزمة لإنجاز معاملات المستثمرين؛ هذه الإضافات ستجعل البلديات شريك استراتيجي في النمو الاقتصادي، لا مجرد جهة مانحة للتراخيص.
وإذا ما ذهبنا الى الجانب المالي في مسودة مشروع القانون؛ فقد نظم المشروع الموارد والإيرادات والاقتراض والتوزيع المالي بين البلديات بصورة جيدة جداً نسبياً؛ إلا أنه أغفل إنشاء إطار لإدارة المخاطر المالية؛ فلا توجد نصوص تعالج التعثر المالي، أو تحدد متى تعتبر البلدية متعثرة، أو تضع آلية لإعادة الهيكلة المالية، أو تفرض حدود لنِسَب المديونية مقارنة بالإيرادات الذاتية؛ وهذه مسألة أساسية في الإدارة المحلية الحديثة.
أمّا في باب الحوكمة، أنشأ المشروع لجنة للحوكمة والمتابعة المؤسسية، وربطها بالموازنة والأداء والمتابعة؛ لكن القانون لم ينظم بصورة كافية تضارب المصالح؛ فمن المناسب إضافة مواد تلزم رئيس البلدية وأعضاء المجلس والمدير التنفيذي بالإفصاح السنوي عن المصالح التجارية والمالية، ومنع مشاركتهم في أي قرار يحقق لهم أو لأقاربهم حتى الدرجة الرابعة منفعة مباشرة أو غير مباشرة، مع تقرير جزاءات واضحة عند الإخلال بذلك؛ كما أن المشروع يفتقر إلى نصوص متقدمة لحماية المبلغين عن الفساد الإداري داخل البلديات، رغم تركيزه على النزاهة والرقابة.
وفي جانب المشاركة الشعبية، أوجب المشروع عقد جلسات استماع، وإنشاء لجان أحياء، وإعداد الموازنات التشاركية؛ لكن الملاحظ ان هذه المشاركة بقيت استشارية في معظمها، ولكن يمكن تعزيزها بإلزام المجلس البلدي بإصدار ردود مكتوبة على توصيات لجان الأحياء، وبيان أسباب قبولها أو رفضها، حتى تتحول المشاركة إلى عملية مؤسسية لا إلى لقاءات شكلية.
وفي ملف التحول الرقمي، ألزم مشروع القانون البلديات بتطبيق الأنظمة الإلكترونية وربطها مع الجهات الحكومية؛ غير أنه لم يتناول البيانات المفتوحة، فمن الأفضل إلزام البلديات بنشر قواعد بياناتها غير السرية، والعقود، والعطاءات، والموازنات، ونسب الإنجاز، والخرائط، بصيغة إلكترونية قابلة للاستخدام، بما يعزز الرقابة المجتمعية والشفافية.
أما البيئة، فقد تضمن المشروع أحكاماً جيدة بشأن النفايات، والطاقة، ومياه الأمطار، والفضاءات الحضرية؛ لكن يغيب عنه مفهوم التّكيّف مع التغير المناخي؛ ومن المناسب إضافة إلزام البلديات بإعداد خطط للتّكيّف المناخي، تشمل مواجهة موجات الحر، والاستفادة من السيول لمواجهة شح المياه، وزيادة المساحات الخضراء، وتقليل الانبعاثات.
وفي التخطيط الحضري، ابدع واضعي القانون بتوسعه في تعريف الخطة الحضرية العمرانية بصورة حديثة؛ لكنه لم يُوجِد أحكام تعالج الهوية البصرية للمدن، أو حماية المباني التراثية، أو تنظيم الإعلانات التجارية وفق معايير جمالية موحدة، أو وضع أدلة تصميم عمراني ملزمة، وهي عناصر أصبحت جزء من التشريعات البلدية الحديثة.
وإذا ما تابعنا العلاقة بين المجلس البلدي والمدير التنفيذي، فهي من أكثر الجوانب نضجاً في المشروع، إذ جرى الفصل بين رسم السياسات والتنفيذ، مع إلزام المدير التنفيذي بتقديم تقارير دورية؛ لكن القانون لم يحدد بصورة دقيقة آلية محاسبة المدير التنفيذي عند الإخفاق في تحقيق مؤشرات الأداء أو التأخر في تنفيذ المشاريع، واكتفى بالإحالة إلى نظام لاحق؛ فمن الأفضل أن يضع القانون المبادئ الأساسية للمساءلة، ويترك التفاصيل للنظام.
وفي شأن مجلس المحافظة، فإن المشروع أعاد تشكيله على أساس تمثيل مؤسسي ومهني، بدلاً من الانتخاب المباشر، وربط اختصاصه بالمشاريع الرأسمالية والخطط الاستراتيجية؛ وأجد أن هذه الصيغة ستثير نقاش سياسي سيستغله القرامطة حول مستوى التمثيل الشعبي، ومدى اتساقها مع فلسفة اللامركزية التي تقوم على توسيع المشاركة الديمقراطية؛ أما إذا كان المقصود تعزيز الكفاءة الفنية، فمن المناسب أن يكون النص على مراجعة هذه التجربة بعد دورة انتخابية واحدة، وتقديم تقرير تقييم إلى مجلس الأمة يتضمن أثرها على التنمية المحلية.
معالي المهندس وليد المصري وفريقه الموقرين .. من يقرأ مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية لعام 2026 ويقارنها بالتشريعات السابقة سيجد ان مشروع القانون الجديد أقوى بكثير من حيث البناء المؤسسي، خصوصاً في الحوكمة، والفصل بين الإدارة والسياسة، والاستثمار، والتحول الرقمي، والتخطيط الاستراتيجي، والمشاركة المجتمعية؛ إلا أن اكتماله يتطلب الانتقال من تنظيم الهياكل إلى بناء منظومة قانونية متكاملة لقياس الأداء، وإدارة المخاطر، والشفافية المتقدمة، والبيانات المفتوحة، والحوكمة المالية، والتكيف المناخي، والرقابة القائمة على النتائج، بحيث يصبح القانون إطار تشريعي للإدارة المحلية الحديثة، وليس مجرد قانون لتنظيم عمل البلديات ومجالس المحافظات.
وهناك أمر اقترحه واجده غائب عن مشروع القانون؛ وهو إنشاء مجلس وطني للإدارة المحلية برئاسة نائب لرئيس الوزراء لشؤون الإدارة المحلية - وزير الإدارة المحلية - وعضوية وزراء المالية والبيئة والتخطيط ، ورؤساء البلديات الكبرى، وممثلين عن مجالس المحافظات، والقطاع الخاص، والجامعات، ونقابة المهندسين، تكون مهمته اقتراح السياسات العامة، وتوحيد المعايير، ومراجعة أداء القطاع سنوياً؛ كما أن المشروع لا يتضمن إلزاماً بإجراء مراجعة تشريعية دورية، ومن المفيد إضافة مادة تنص على أن تقدم الحكومة إلى مجلس الأمة كل خمس سنوات تقرير شامل عن تطبيق القانون، ومدى تحقيق أهدافه، والمقترحات اللازمة لتطويره.
بما سبق اكون قد حاورت المهندس وليد المصري وفريقه – مع حفظ الألقاب - بأسلوبهم قدر المستطاع؛ دون أي تشكيك او تصيّد كما يفعل وسيفعل اعضاء كتل نيابية وغيرهم لغايات شعبوية بعيدة كل البعد عن عُمق عقل الدولة الذي تم تقديمه في مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد؛ فإذا ما استُكملت الجوانب التي تطرقت لها، يمكن أن يشكل القانون أساس راسخ لإدارة محلية حديثة ومستدامة لعقود مقبلة؛ وعلى معاليه تحمل مسؤولية نقل العدوى لراصدي فكره وعطائه الدائم لهذا الوطن ومواطنيه.















