هل أصبح الإنسان الحلقة الأضعف؟

كتب العميد الركن المتقاعد
اسماعيل عايد الحباشنه.....
لم يعد انتشار الكلاب الضالة في بعض المدن والبلدات الأردنية مجرد مشهد عابر أو قضية بيئية محدودة، بل أصبح ظاهرة تستحق الوقوف أمامها بجدية ومسؤولية وطنية، بعد أن بدأت تمس حياة الناس اليومية، وتثير الخوف في نفوس الأطفال وكبار السن، وتدفع بعض المواطنين إلى تغيير عاداتهم، بل وحتى التردد في السير إلى المساجد، خاصة في ساعات الفجر والليل.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تأجيله أكثر:
أين نقف بين حقوق الحيوان وحقوق الإنسان؟
لا أحد يختلف على أن الرفق بالحيوان قيمة إنسانية وأخلاقية، وأن التعامل مع الحيوانات يجب أن يكون بعيدًا عن القسوة والعبث. لكن الرفق بالحيوان لا يعني أبدًا أن يُترك المواطن فريسة للخوف، أو أن يصبح الطفل عاجزًا عن اللعب في حيه، أو أن يتردد كبار السن في الخروج من منازلهم، أو أن يخشى المصلون السير إلى بيوت الله بسبب تجمعات من الكلاب الضالة.
إن حماية الحيوان مسؤولية، لكن حماية الإنسان مسؤولية أقدس وأولى.
المشكلة ليست في وجود قوانين تحمي الحيوان، بل في أن تتحول هذه القوانين، بسبب سوء التطبيق أو غياب الحلول العملية، إلى حالة يشعر معها المواطن أن الحيوان محمي، بينما هو متروك لمصيره. فلا يجوز أن يفهم المواطن أن القانون يعاقبه إذا حاول دفع خطر حقيقي عن نفسه أو عن طفل، في الوقت الذي لا يجد فيه جهة حاضرة تمنع الخطر قبل وقوعه.
والسؤال هنا ليس دعوة إلى قتل الحيوانات أو تعذيبها، بل دعوة إلى إدارة المشكلة بعقل الدولة.
فالدولة التي تحترم الإنسان وتحترم الحيوان قادرة على إيجاد حلول متوازنة: حصر أعداد الكلاب الضالة، جمعها بطريقة آمنة، التعامل معها وفق الأصول البيطرية والإنسانية، مكافحة الأمراض، منع تكاثرها العشوائي، ومحاسبة من يتعمد ترك الحيوانات أو إطلاقها في الشوارع، مع توفير استجابة سريعة عند وجود تجمعات تشكل خطرًا على السكان.
أما أن تُترك المشكلة حتى تتفاقم، ثم نكتشف أن أعدادها تضاعفت، وأن الاعتداءات تكررت، وأن الناس أصبحوا يخافون من السير في شوارعهم، فهذه ليست إدارة للمشكلة، بل انتظار حتى تتحول إلى أزمة أكبر من قدرة الجميع على السيطرة عليها.
ولا يجوز أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها السؤال:
كم عدد الضحايا حتى نتحرك؟
فالوقاية ليست ترفًا، والتحرك قبل وقوع الكارثة ليس مبالغة. ومن واجب الجهات المعنية أن تتعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها قضية صحة عامة وسلامة مجتمعية وحقًا أصيلًا للمواطن في الأمن والطمأنينة.
إن حقوق الحيوان لا ينبغي أن تكون في مواجهة حقوق الإنسان؛ فالمعادلة الصحيحة ليست: إما الإنسان أو الحيوان، بل أن تقوم الدولة بحماية الإنسان، ومعالجة قضية الحيوان بطريقة رحيمة ومنظمة ومسؤولة.
لكن حين يتعارض خطر حقيقي ومباشر مع سلامة الإنسان، فإن الأولوية يجب أن تكون واضحة لا لبس فيها:
الإنسان أولًا.
والحل ليس في الفوضى، ولا في الانتقام من الحيوانات، ولا في ترك المواطن يواجه الخطر وحده، بل في أن تقوم الجهات المختصة بواجبها قبل أن تكبر كرة الثلج، وقبل أن تصبح هذه الظاهرة أكبر من قدرة المدن والبلديات والمجتمع على احتوائها.
لقد آن الأوان أن ننتقل من سياسة رد الفعل بعد وقوع الحادث إلى سياسة الوقاية والمعالجة المنظمة.
فالمواطن لا يطلب حربًا على الحيوانات، ولا يطالب بالقسوة عليها؛ هو يطلب فقط أن يستطيع أن يمشي في حيه بأمان، وأن يذهب إلى عمله أو مدرسته أو المسجد دون خوف، وأن يشعر بأن هناك دولة ومؤسسات مسؤولة عن سلامته.
فالرحمة بالحيوان قيمة، وحماية الإنسان واجب، والدولة العادلة لا تسمح أن تتحول إحداهما إلى ذريعة للتفريط بالأخرى.



















