الاقتصاد الامريكي في اختبار صعب.. هل تنجح سياسات ترمب في احتواء الضغوط؟

يواجه الاقتصاد الامريكي تحديات هيكلية معقدة بعد مرور عام ونصف على عودة الرئيس دونالد ترمب الى البيت الابيض. وبينما نجحت البلاد في تجنب شبح الركود الاقتصادي الذي حذر منه الكثير من الخبراء، الا ان مؤشرات التباطؤ بدات تظهر بوضوح في قطاعات حيوية متعددة، مما يضع وعود الادارة الحالية تحت مجهر الاختبار قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
واظهرت البيانات الاقتصادية الاخيرة قدرة نسبية على الصمود امام الصدمات، مثل تشديد سياسات الهجرة وتصاعد الرسوم الجمركية، فضلا عن تداعيات الحرب في الشرق الاوسط التي القت بظلالها على اسعار الطاقة وسلاسل الامداد العالمية. واضاف المحللون ان هذا الصمود لا يزال بعيدا عن ترجمة الوعود الانتخابية بخفض تكاليف المعيشة وتحسين مستوى دخل الطبقة المتوسطة.
واكد تقرير اقتصادي ان الاقتصاد الامريكي بات في مرحلة جمود، حيث تتفاقم المخاطر بفعل استمرار الرسوم الجمركية والتركيز المتزايد على استثمارات الذكاء الاصطناعي. واوضح التقرير ان التباطؤ في قطاعات معينة يعكس حجم التحديات التي تواجهها السياسات الجديدة في ظل ظروف دولية متقلبة.
تحولات سوق العمل والعمالة
وبينت الارقام ان سوق العمل الامريكي شهد تغيرا جذريا، مع انخفاض حجم القوة العاملة بنحو مليون وثلاثمائة الف شخص منذ مطلع عام 2025. واوضحت الاحصاءات ان تراجع تدفق العمالة الوافدة وتشديد اجراءات الترحيل، الى جانب شيخوخة السكان، اديا الى تقليص اعداد القادرين على شغل الوظائف المتاحة.
واشار خبراء التوظيف الى ان التغييرات في تقديرات السكان جعلت من الصعب مقارنة البيانات الحالية بالسنوات الماضية بشكل دقيق. واضافوا ان مكتب الاحصاءات يعمل حاليا على تطوير نماذج بيانات اكثر اتساقا لفهم طبيعة التغيرات الهيكلية التي طرأت على سوق العمل.
وشدد التقرير على ان قطاع الخدمات والرعاية الصحية لا يزال يستقطب الجزء الاكبر من الوظائف الجديدة، في حين سجل القطاع الحكومي انخفاضا في التوظيف تماشيا مع سياسات تقليص حجم الجهاز الاداري للدولة.
التصنيع والذكاء الاصطناعي
وكشفت بيانات الرواتب عن تراجع في اعداد العاملين بقطاع التصنيع مقارنة بنهاية ولاية الرئيس السابق جو بايدن، رغم تعهدات ترمب باعادة احياء القاعدة الصناعية الامريكية. واظهرت الدراسات ان طفرة الاستثمارات في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي لم تترجم بعد الى خلق وظائف دائمة كافية في القطاع الانتاجي.
واوضحت التقارير ان نشاط التشييد والبناء استفاد بشكل مباشر من مشاريع الذكاء الاصطناعي، لكن الاثر على الانتاج الصناعي ظل محدودا. واضاف المتابعون ان طبيعة الاقتصاد الامريكي المتقدمة في السن تجعل من الصعب موازنة التوقعات الصناعية مع واقع الخدمات.
واكدت البيانات ان القطاعات الخدمية والمطاعم لاتزال هي المحرك الرئيسي لنمو الوظائف، مدفوعة بالتركيبة السكانية التي تتزايد فيها اعمار المتقاعدين وتتغير فيها انماط الاستهلاك.
التضخم وتكاليف المعيشة
واوضح التقرير ان خفض التضخم لا يزال هدفا صعب المنال، حيث نادرا ما تنخفض الاسعار في امريكا خارج فترات الانكماش الاقتصادي الحاد. وبينت المؤشرات ان التضخم لا يزال فوق مستهدف الاحتياطي الفدرالي البالغ 2%، مع مخاوف من عودة الضغوط التضخمية بسبب الرسوم الجمركية وارتفاع اسعار الطاقة.
واضاف مسؤولون في الاحتياطي الفدرالي ان استمرار ارتفاع اسعار السلع قد يؤدي الى موجة تضخمية اكثر اتساعا. واشاروا الى ان نمو الدخل الشخصي المتاح للإنفاق بدأ يتباطأ، مما يهدد استدامة الاستهلاك الشخصي الذي يعد العمود الفقري للاقتصاد الامريكي.
وارتفع مؤشر اسعار المستهلكين بنسبة 3.5%، وهو مستوى يظل مرتفعا ويضغط على ميزانيات الاسر. واكد محضر اجتماع الفيدرالي الاخير ان صناع السياسة النقدية يدرسون خيارات رفع الفائدة مجددا في العام القادم اذا لم تستقر الاسعار.
ازمة الاسكان والمكاسب السوقية
وكشف الواقع ان ملف الاسكان يمثل نقطة ضعف رئيسية، حيث فشلت الادارة في خفض تكاليف السكن التي لا تزال تستحوذ على حصة كبيرة من دخول الامريكيين. واوضح التقرير ان الفائدة المرتفعة زادت من صعوبة امتلاك المنازل، خاصة مع غياب الادوات الفدرالية المباشرة للتدخل في هذا القطاع الذي تديره الولايات.
واظهرت الاسواق المالية وجها اخر، حيث واصلت الاسهم تسجيل مستويات قياسية بفضل قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. واضاف التقرير ان مؤشر ستاندرد آند بورز 500 حقق مكاسب بنحو 25%، وهو اداء يتماشى مع الانماط التاريخية للأسواق في فترات مماثلة.
واختتم التقرير بالاشارة الى ان اصدارات سندات الشركات بلغت مستويات تاريخية لتمويل مشاريع التقنية، مما يعكس متانة الميزانيات العمومية للشركات الكبرى رغم المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية المحيطة.



















