+
أأ
-

فخ المقاول الذاتي في المغرب.. لماذا يغلق الشباب مشاريعهم بسبب الضرائب والبيروقراطية؟

{title}
بلكي الإخباري

تحول حلم الاستقلال المادي للكثير من الشباب المغاربة الى كابوس حقيقي بعدما وجدوا انفسهم في مواجهة مباشرة مع تعقيدات مالية وضريبية خانقة. واضطر العديد من اصحاب المشاريع الصغيرة الذين راهنوا على برنامج المقاول الذاتي الى اعلان افلاسهم واغلاق ابواب شركاتهم الناشئة بعدما تحولت الوعود الحكومية بالدعم والتحفيز الى واقع مثقل بالديون وضعف الارباح وارتفاع تكاليف التشغيل. وكشفت تجارب ميدانية ان اصحاب المشاريع يواجهون عوائق تتجاوز قدرتهم على التحمل خاصة مع تراجع الطلب في السوق المحلية.

واكد عدد من المستفيدين انهم وقعوا في فخ التمويل والضرائب حيث ارتفعت الاعباء المالية بشكل غير متوقع بعد فترة قصيرة من الانطلاق. واوضح اصحاب مشاريع انهم صدموا بتغيرات مفاجئة في نسب الضريبة التي قفزت لمستويات عالية حسب حجم الارباح مما جعل الاستمرار في العمل امرا مستحيلا من الناحية الاقتصادية. وبين هؤلاء ان الدعم البنكي المحدود لم يكن كافيا لتغطية تكاليف الاستئجار والعمالة والمصاريف التشغيلية الاخرى.

واضاف المتابعون لملف المقاول الذاتي ان غياب جهة رسمية تتلقى شكاوى المقاولين وتعمل على حل مشكلاتهم يفاقم من حدة الازمة. واشار خبراء في الاقتصاد الى ان البرنامج الذي اطلقته الحكومة لدمج القطاع غير المهيكل يعاني من اختلالات هيكلية عميقة في التصميم والتنفيذ. وشدد هؤلاء على ان الدولة لم توفر البيئة المناسبة لضمان استمرارية هذه المقاولات الناشئة مما تسبب في موجة انسحابات واسعة من البرنامج.

اختلالات تهدد استمرارية المقاولات الصغرى

وكشفت بيانات ميدانية ان اكثر من 170 الف مقاول ذاتي قرروا الانسحاب من البرنامج في مؤشر خطير على فشل المقاربة الحالية. واظهرت الشهادات ان اصحاب المشاريع يجدون انفسهم محاصرين بين مطرقة الضرائب وسندان ازدواجية التأمين الصحي وتكاليفه المرتفعة. واوضح عبد المولى وهو احد المتضررين انه اضطر لإغلاق مشروعه في مجال الصناعة التقليدية بعدما وجد نفسه عاجزا عن سداد الديون المتراكمة نتيجة ضعف المداخيل.

واكد عادل مفتاح مستشار الاعمال ان البرنامج تحول من وسيلة للادماج الى فخ حقيقي يلتهم طموحات الشباب. وذكر ان غياب المواكبة الحقيقية والتوجيه المستمر جعل المقاولين يواجهون تحديات السوق بمفردهم دون اي دعم مؤسساتي فعال. واضاف ان الحكومة تكتفي بدورات تكوينية قصيرة المدى لا ترقى الى مستوى التحديات الميدانية التي تعترض اصحاب الشركات الصغيرة.

واشار عبد الله الفركي رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة الى ان المنظومة الحالية تفتقر للرؤية الشاملة. وبين ان الشباب يحتاجون الى تبسيط حقيقي للمساطر الادارية وتسهيل الولوج الى الاسواق والتحفيزات الجبائية في السنوات الاولى. وشدد على ان المواكبة يجب ان تكون لسنوات وليس مجرد ايام معدودة لضمان قدرة المقاول على الصمود في وجه تقلبات الاقتصاد.

نحو منظومة وطنية متكاملة للمقاول الذاتي

وكشف رشيد الورديغي رئيس الشبكة المغربية لهيئات المقاولات الصغرى ان المخرج الوحيد يكمن في مراجعة عميقة للسياسات المتبعة حاليا. واوضح ان التجارب الدولية الناجحة في اوروبا تعتمد على ادماج المقاولات الصغرى في الحوار الاجتماعي وصنع القرار الاقتصادي. واضاف ان صوت هذه الفئة لا يزال مغيبا في المغرب رغم كونها تشكل جزءا كبيرا من النسيج الاقتصادي.

واكد الورديغي ان الرهان اليوم ليس في اطلاق برامج جديدة بل في بناء منظومة تستفيد من التجارب العالمية وتمنح المقاول مكانته كشريك في التنمية. وبين ان المقاولين الصغار يحتاجون الى تمثيل حقيقي داخل هيئات اتخاذ القرار لضمان عدم تكرار اخطاء الماضي. واضاف ان بناء اقتصاد قوي يتطلب اشراك الفاعلين الميدانيين في صياغة القوانين والاجراءات التي تنظم عملهم.

وختم الخبراء بالتأكيد على ان استمرار الوضع على ما هو عليه سيؤدي الى مزيد من الافلاسات والانسحابات. واكدوا ان الدولة مطالبة اليوم بتقديم اجابات واضحة للمقاولين الشباب الذين فقدوا الثقة في البرنامج. واوضحوا ان الاصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالاختلالات الحالية والعمل الجدي على حلها وفق مقاربة تشاركية تحمي المقاول وتدعم نمو مشروعه.