المعارضة بعد مغادرة المنصب.. حرصٌ على الوطن أم بحثٌ عن شعبوية متأخرة؟

تتطلب الخدمة العامة قدراً عالياً من الشجاعة الأخلاقية والتجرد؛ فالجلوس في مواقع صنع القرار ليس مجرد تشريف وظيفي أو وجاهة اجتماعية، بل هو اختبار حقيقي لمدى قدرة المسؤول على الانحياز للصالح العام واتخاذ المواقف الصلبة في لحظاتها الحرجة . غير أن المشهد العام كثيراً ما يشهد ظاهرة متكررة تتمثل في ادعاء بعض المسؤولين السابقين لبطولات وهمية ومواقف معارضة، لا تظهر إلا بعد مغادرتهم لمناصبهم وانقطاع امتيازاتهم الوظيفية.
يبدأ هذا المشهد المألوف حين يكون المسؤول في سدة الحكم، حيث يمارس مهامه بالصمت التام والتوقيع على كافة القرارات، بل والدفاع المستميت عنها أمام وسائل الإعلام والرأي العام. وما إن تصدر قرارات التغيير ويغادر الكرسي، حتى تتغير النبرة تماماً، وتبدأ سلسلة من التصريحات والمقابلات التي يحاول فيها إعادة رسم تاريخه الإداري، مدعياً أنه كان يرفض هذه السياسات في الغرف المغلقة، وأن الضغوط هي التي منعته من اتخاذ الموقف المناسب في حينه.
ممارسة المعارضة المتأخرة وتقديم التبريرات بعد فوات الأوان لا يعكس حرصاً على المصلحة الوطنية بقدر ما يكشف عن ازدواجية واضحة في السلوك الإداري. فالاستمرار في موقع القرار والتوقيع على سياسات يُعتقد أنها خاطئة يُعد مشاركة فعلية في صناعة ذلك الخطأ وتحمل آثاره، ولا يمكن للمسؤول أن يبرئ ذمته لمجرد أنه أدلى برأي مخالف في جلسة سرية بينما واصل التمتع بمكاسب السلطة وحظوتها.
لقد عرفت التقاليد السياسية والإدارية الراسخة الاستقالة باعتبارها أسمى أشكال التعبير عن احترام الذات والمبدأ؛ فالقيادي الذي يحترم مسؤوليته ويثق ببوصلته الوطنية يفضل خروجاً بشرف على الاستمرار في تنفيذ ما يخالف قناعاته. أما التمسك بالموقع والتضحية بالموقف، ثم محاولة تقديم دروس في النزاهة بعد الترجل عن السلطة، فهو سلوك يضعف ثقة الشارع بالمؤسسات ويصنع انطباعاً بإن البحث عن الشعبوية المتأخرة أضحى بديلاً عن تحمل مسؤولية القرار في وقته.
تعتمد الدولة في بنائها على رجال يمتلكون الإرادة والصراحة في لحظة الاستحقاق، ويتخذون القرارات الجريئة وهم في قمة سلطتهم، متحملين أكلافها الإدارية والسياسية بشجاعة. أما البطولات المعتمدة على الذاكرة الانتقائية والتصريحات المؤجلة، فستظل مجرد محاولات لتلميع الصور الشخصية، ولن تنجح في تغيير الحقائق أو إقناع مجتمع بات يمتلك من الوعي ما يكفي للتمييز بين رجل الدولة الحقيقي ومن يهوى أداء الدور بعد إغلاق الستار.















