خلف الكواليس.. لماذا فضلت القاهرة البقاء خارج اتفاقية مكة للدفاع المشترك؟

شهدت مدينة مكة حدثا سياسيا وعسكريا بارزا تمثل في توقيع اتفاقية للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بهدف تعزيز الردع الجماعي ضد أي تهديدات خارجية محتملة. وتنص الاتفاقية على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث بمثابة عدوان مباشر على الجميع مما يفتح الباب لتساؤلات واسعة حول التوازنات الاقليمية الجديدة في المنطقة.
واثار غياب مصر عن هذا التحالف تساؤلات المتابعين خاصة في ظل الدور المحوري الذي تلعبه القاهرة في ملفات الامن والاستقرار الاقليمي. وبينما تشارك مصر بالفعل في آلية رباعية تنسيقية مع هذه الدول الا ان عدم انضمامها للاتفاقية الدفاعية الجديدة يشير الى وجود رؤية استراتيجية مغايرة تتبناها القيادة المصرية في التعامل مع الاحلاف العسكرية.
واكد خبراء ومحللون سياسيون ان هذا الغياب لم يكن وليد الصدفة بل جاء نتيجة حسابات دقيقة تهدف للحفاظ على استقلالية القرار الوطني المصري. واوضحوا ان القاهرة تفضل دائما الاحتفاظ بهامش حركة واسع يتيح لها ممارسة دور الوسيط النزيه بين مختلف القوى المتصارعة بدلا من الانخراط في محاور عسكرية قد تضيق من قدرتها على التواصل مع كافة الاطراف.
ابعاد الاستراتيجية المصرية في عدم الانضمام
وقال اللواء محمد الشهاوي زميل الاكاديمية العسكرية للدراسات العليا ان السياسة المصرية تقوم على مبدأ عدم الانحياز المباشر في الصراعات الاقليمية. واضاف ان القاهرة تدرك جيدا ان الترتيبات الدفاعية الثلاثية قد تحمل رسائل معينة تجاه اطراف اقليمية اخرى وهو ما لا يتوافق مع الرغبة المصرية في تهدئة التوترات ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهات عسكرية مفتوحة.
وبين الشهاوي ان مصر تسعى دائما لان تكون جسرا للتواصل بين المتناقضات الاقليمية لا طرفا في تحالف قد يصنفها في خانة المعسكرات المتصارعة. واوضح ان الحفاظ على هذا الدور يتطلب عدم التورط في اي التزامات دفاعية جماعية قد تفرض عليها مواقف لا تتسق مع مساعيها الدبلوماسية المستمرة لتقريب وجهات النظر.
واشار الى ان مصر تتبنى رؤية ترى ان الحلول السياسية والوساطة هي الطريق الامثل لتجاوز الازمات الراهنة بدلا من الاعتماد على التكتلات العسكرية التي قد تزيد من حالة الاستقطاب. واكد ان القاهرة ترفض مبدأ الاحلاف التي تستهدف طرفا بعينه وتفضل التركيز على بناء شراكات اقتصادية وسياسية متوازنة تخدم المصالح الوطنية المصرية دون التضحية بدورها كقوة اقليمية وازنة.
قراءة في دوافع التوقيت والتحولات الاقليمية
واوضح اللواء والبرلماني السابق تامر الشهاوي ان اختلاف الاولويات كان سببا رئيسيا في عدم انضمام مصر لهذه الاتفاقية. واضاف ان القاهرة تعتمد استراتيجية قائمة على الاتفاقيات الثنائية والتنسيق المباشر بدلا من الانخراط في تحالفات اقليمية واسعة قد تفرض قيودا على حرية الحركة العسكرية والسياسية.
وشدد على ان غياب مصر لا يعني بالضرورة وجود موقف عدائي تجاه هذه الاتفاقية بل يعكس تفاوتا في الرؤى حول كيفية التعامل مع التحديات الامنية الناشئة. وبين ان المنطقة تمر بمرحلة دقيقة من اعادة تشكيل التحالفات وهو ما يتطلب حذرا شديدا في اتخاذ القرارات التي قد تؤثر على الامن القومي المصري على المدى الطويل.
واكد السفير حسين هريدي مساعد وزير الخارجية الاسبق ان التنسيق الدبلوماسي في اطار الآلية الرباعية لا يترجم بالضرورة الى التزام عسكري مشترك. واضاف ان مصر تضع حساباتها الوطنية فوق اي اعتبارات اخرى وترى ان التحالفات العسكرية قد تجر المنطقة لمزيد من التعقيدات وهو ما تحاول القاهرة تجنبه عبر انتهاج سياسة خارجية مستقلة ومرنة.



















