+
أأ
-

سعيد الصالحي : " الرواية التي تحمل الإنسان في داخلها تستطيع أن تصل إلى أي مكان "

{title}
بلكي الإخباري

حوار: منذر كامل اللالا
1- كتبتَ رواية «ظل الغراب» أثناء جائحة كورونا في دكا عام 2020. كيف أثّرت العزلة الإجبارية، والشرفة المطلة على البحرية وأشجار جوز الهند، في إيقاع الكتابة وأسلوب السرد؟ وهل كان الغراب حاضراً فعلياً أثناء الكتابة أم جاء لاحقاً؟
عندما كتبت رواية «ظل الغراب» كان للمكان سحره، وللزمن أثره فليس من المتاح كل يوم لإنسان عربي أن يجد نفسه رغمًا عنه يعيش أشهرًا في أقصى جنوب آسيا، حيث تختلف الجغرافيا ويتقلب المناخ وتتشكل الحياة بإيقاع مختلف.
في بلادنا اعتدنا أن يصحب المطر البرد، أما هناك فكانت السماء تمطر بغزارة رغم حرارة الطقس، وما إن ينقشع المطر حتى تمتلئ السماء بطيور ذات ألوان لم أعتد رؤيتها، تتنقل بين أشجار جوز الهند وأشجار أخرى لم أكن أعرف أسماءها، وفي ذلك المشهد كان غراب بنغلادش الرشيق يحضر كل يوم تقريبًا حتى أصبح زائرًا دائمًا لشرفتي، كنت أقدم له الطعام في محاولة لتدجينه، أو ربما في محاولة لاستدرار عاطفة أي كائن آخر غير الإنسان الذي قسا عليّ يومها وأبعدني عمن أحب لأشهر.
في تلك العزلة، وبين المطر والطيور والغراب، وُلدت فكرة الرواية وأقول بصراحة إنني في لحظات كثيرة شعرت أنني لا أكتب رواية بقدر ما كنت أرسم بالكلمات ما كانت تلتقطه عيناي من ذلك العالم الساحر، لقد كانت الطبيعة بكل ما فيها من ألفة وهدوء عزاءً في زمن فرض على الإنسان أن يرتاب من كل شيء حوله وأن يخشى حتى أخاه الإنسان خوفًا من العدوى بحثًا عن حياة جديدة فقدت كثيرًا من ألوانها وطعمها،لهذا لم يكن الغراب عنصرًا أضفته إلى الرواية بعد اكتمالها بل كان حاضرًا منذ لحظة ولادتها جزءًا من المكان وجزءًا من العزلة وجزءًا من الحكاية نفسها.

2- يتحول الغراب في الرواية من زائر صامت على الشرفة إلى محاور حكيم ثم إلى دليل في مغامرة صوفية معقدة، كيف بنيتَ هذا التطور التدريجي دون أن تفقد الإحساس بالواقعية في البداية؟
تدرج الغراب وتطور أدواره لم يكن وليد اللحظة في بنغلادش فقط، بل كان استدعاءً لشيء قديم مغروس في داخلي منذ الطفولة، فقد كبرنا على حكايات كثيرة عن الغربان؛ غراب مشاكس، وآخر ذكي، وثالث مخادع، وغراب يبحث عن الجمال، وكنت مثل كثير من الأطفال أتمنى أن أفهم يومًا حديث الطيور ومواء القطط، لكن بطل الرواية الطيب كان يقول إن مثل هذه الكرامات لا تُمنح لأي أحد.
أثناء كتابة الرواية لم أرَ في الغراب طائرًا فقط بل رأيت إنسانًا مجنحًا بصوت أجش يحمل الحكمة والشجاعة والخوف والتردد والشك تعاملت معه بوصفه واعظًا وشاهدًا وبطلًا ينقذني حتى من أحلامي المزعجة،ولهذا حرصت في بداية الرواية على أن يبقى الغراب غرابًا يراه القارئ كما يراه أي إنسان؛ يحط على الشرفة، ويأكل، ويغيب ثم يعود، لم أدفعه منذ البداية إلى عالم الرمز أو التصوف بل تركته يقترب من القارئ خطوة بعد أخرى حتى أصبح تحوله إلى محاور ودليل في الرحلة الصوفية امتدادًا طبيعيًا للعلاقة التي نشأت بينه وبين بطل الرواية لا قفزة مفاجئة في السرد.
ومع تقدم الكتابة بدأت أشعر أن الغراب لم يعد شخصية أصنعها، بل صوتًا أستمع إليه، وفي لحظات كثيرة كان خيالي يرسم لي صوته وهو يحادثني فكنت أنقل إلى الورق ما أظن أنه سمعه وما أراد أن يقوله،وكذلك فإن مغامرة صندوق القشيري لم تكن فكرة أتعبت نفسي في استحضارها بل كانت حاضرة في ذاكرتي منذ زمن بعيد لطالما أدهشتني فكرة أن يلقي إنسان خلاصة علمه وجهده ومؤلفاته في النهر، مؤمنًا بأنها قد تصل يومًا إلى من يحتاجها، وأنها ربما تسهم في إنقاذ البشرية في زمن آخر، من هنا بدأت أفكر في قوة الفكرة حين تستولي على صاحبها فتغدو هي البوصلة التي تقوده مهما بدا طريقه غريبًا أو مستحيلًا.
3- في الموروث الشعبي يرتبط الغراب غالبا بالموت والتشاؤم، لكنك أعدت تشكيله عبر شخصية «أبو توفيق» ليصبح كائنا حكيمًا وصديقًا ومنقذًا. كيف ولدت هذه العلاقة الرمزية؟ وهل كان اختيار الغراب محاولة لتفكيك الصور النمطية في الوعي الجمعي؟

بلا أدنى شك، سعيت من خلال رواية «ظل الغراب» إلى إعادة الاعتبار لمخلوقات كثيرة وصمها العقل الجمعي بصفات لم ترتكبها، أو ربطها بأحداث سلبية حتى أصبحت جزءًا من الموروث الشعبي وأعتقد أن المكان الذي نعيش فيه والقصص التي نسمعها منذ الصغر يسهمان إلى حد كبير في تشكيل نظرتنا إلى الأشياء فنرث أحيانًا أحكامًا أكثر مما نرث حقائق،وعندما أطلق بطل الرواية اسم «أبو توفيق» على الغراب كانت تلك أول رسالة يوجهها إلى القارئ فهو لا يرى الغراب نذير شؤم كما اعتاد الناس بل يراه رفيقًا وحكيمًا وشاهدًا على الرحلة أردت للقارئ أن يكتشف مع تقدم الأحداث أن الكائنات لا تُختزل في الصورة التي رسمها لها الموروث وأن الخير والحكمة قد يأتيان أحيانًا من الجهة التي لم نتوقعها، ولم يتوقف هذا التساؤل عند الغراب، بل امتد إلى أشياء أخرى تناولتها الرواية، كالموسيقى والرقص، لأنني أؤمن أن مهمة الأدب ليست تأكيد الأفكار الموروثة، بل مساءلتها، ومنح القارئ فرصة لأن ينظر إليها من زاوية مختلفة.
وعلى قلة احتكاكي بالمجتمع البنغالي خلال فترة وجودي في دكا فقد لاحظت أمرا غريبا بأن أي شيء مكتوب باللغة العربية يتم التعامل معه كأنه آية من القرآن الكريم، لأنهم يعرفون شكل الحروف ولا يستطيعون فهم معناها، وهنا نعود للموروث مرة أخرى وللعقل الجمعي للمجتمع، فاستخدمت البلدية بعض العبارات العربية في الاماكن العامة للحد من بعض التصرفات التي تسعى الى محاربتها لان استخدام اللغة العربية يضفي جلالا ورهبة ويمنع مواطنهم من التصرف بطريقة غير لائقة.
أما الرمزية، فهي جزء أصيل من طريقتي في الكتابة، ليس لأنها تخفي المعنى، بل لأنها تمنحه أكثر من باب، أحب النص الذي يقرأه كل قارئ بطريقته، ويخرج منه بشيء يخصه. لذلك أجد أن الكتابة الرمزية أكثر عمقًا وأطول أثرًا، لأنها تلامس الوجدان، وتحاور العقل، وتبقى مع القارئ حتى بعد أن يطوي الصفحة.
4- ذكرت في التوطئة رواية " ظل الغراب ": «هذه القصة حقيقية.. أو قد تكون حقيقية بالفعل.. وليست مجرد مذكرات مسافر». أين ينتهي الأثر الواقعي لمشاهداتك في دكا ويبدأ التحليق التخيلي أو الفانتازي؟


بكل صدق، حتى عندما أعيد قراءة الرواية اليوم، لا أستطيع أن أحدد الخط الفاصل الذي سألتني عنه فقد كنت أعيش أحداث الرواية وأكتبها في الوقت نفسه، ولم أكن أشعر أنني أفصل بين الواقع والخيال بقدر ما كنت أسمح لكل منهما أن يتسلل إلى الآخر كنت أطوع أي مشهد أو موقف أعيشه في حياتي اليومية آنذاك ليصبح جزءًا من عالم الرواية، وأحيانًا كنت أختلق مشهدًا مع مدبر المنزل أو السائق أو حارس البناية، ثم أتركه ينمو حتى يتحول إلى حدث روائي، وخلال فترة الكتابة كنت أعيش بشخصية الطيب أكثر مما أعيش بشخصيتي الحقيقية، حتى أصبحت أنظر إلى العالم بعينيه لا بعيني لهذا تداخل الواقع بالخيال، حتى بت أشعر أن كل ما كتبته قد حدث بالفعل، وإلى اليوم ما زال صدى شحيج أبي توفيق البنغالي يتردد في رأسي، وما زلت على تواصل مع أولئك الطيبين الذين مروا في الرواية، أو مررت أنا بهم، حتى لم أعد أميز أيهما سبق الآخر،ومن الأشياء الطريفة التي كنت أقوم بها أثناء الكتابة كنت امارس لرقصات الصوفية على وقع الطبول والدفوف، وكنت ألف وأدور واقفز واردد اشعار لبوصيري، فشعرت بمزيج غريب من الرياضة الجسدية وهي تتفاعل مع كلمات البوصيري الرائعة، فكنت استمتع وانا أقتل العزلة والوحدة بهذه الرياضة، وبذات الوقت أكتب مشهدا صادقا للرواية، ولهذا يصعب عليّ أن أحدد بدقة ما حدث فعلًا وما صنعه الخيال، لأنني عشت الأمرين معًا؛ مرة بجسدي، ومرة بروحي ومشاعري، وفي الحالتين كانت التجربة بالنسبة إليّ حقيقية.

5- بعد النجاح والصدى الذي حققته «ظل الغراب»، كيف تعاملتَ مع «رهبة الرواية الثانية» أثناء كتابة «آلهة قتلت مرتين»؟ وهل شكلت توقعات القراء قيدا على حريتك الإبداعية أم كانت دافعا للتجاوز؟
الرواية الثانية لم ترَ النور إلا بعد عدة محاولات. فقد كتبت ثلاث روايات قبل الوصول إلى روايتي الثانية «آلهة قتلت مرتين»، وفي كل محاولة كنت أشعر بأن شيئًا ما لا يزال ينقصني، وأن العمل لم يصل بعد إلى الصورة التي أبحث عنها، لقد رفعت «ظل الغراب» سقف توقعات القارئ، وجعلت العمل التالي أمام مسؤولية أكبر؛ فلم يعد الأمر مجرد كتابة رواية جديدة، بل محاولة لتقديم تجربة مختلفة تحافظ على ثقة القارئ، ومما زاد الأمر صعوبة أن بعض القراء أصبحوا يعرفون ملامح أسلوبي من خلال مقالاتي التي أنشرها بين الحين والآخر لذلك لم أرد الوقوع في فخ التكرار، وحرصت أن يجد القارئ في الرواية الجديدة عبارات وصورًا وأفكارًا لم يلتقِ بها من قبل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الروح والأسلوب اللذين أحبّهما القراء.
نعم، لقد أتعبتني «ظل الغراب»؛ لأن القارئ لم يتعاطف مع الرواية فقط، بل تعاطف مع التجربة الإنسانية التي وقفت خلفها ومنحني تقديرًا لم أكن أتوقعه في أولى جولاتي مع الكلمات والأفكار لذلك احتجت إلى سنوات أخرى حتى أقدم للقارئ العربي عملًا جديدًا يحمل روحًا مختلفة، لكنه يأتي من المكان العميق نفسه الذي خرجت منه الرواية الأولى.

6- يشهد المشهد الأدبي الأردني تزايداً لافتا في إصدار الروايات، كيف تقيّم جودة ما يُطرح اليوم؟ وهل ترى أن الرواية الأردنية استطاعت الخروج من المحلية إلى الفضاء العربي والإنساني العريض؟
لقد تحدثت عن هذا الأمر في أكثر من لقاء ومناسبة ثقافية، وأرى أن الرواية الأردنية التي بدأت خطواتها الأولى في بدايات القرن الماضي على يد الأديب عقيل أبو الشعر ومن جاء بعده من روائيين مميزين، استطاعت أن تؤسس حضورًا خاصًا. وأنا من المتحيزين خصوصًا للأستاذ عيسى الناعوري الذي أثرى المكتبة الأردنية بأعمال مهمة، وبالطبع فإن قطار الإبداع لم ولن يتوقف في بلادنا،أما ما يُتداول اليوم من إصدارات روائية، فأنا أراه مشهدًا واسعًا يشبه أحيانًا حركة الموضة؛ فسهولة النشر وانتشار المنصات جعلت الوصول إلى القارئ أكثر سهولة، كما جعلت التمييز بين العمل الحقيقي والعمل العابر أكثر صعوبة. وربما يشبه الأمر بعض الأغاني التي تنتجها التقنيات الحديثة بسرعة كبيرة؛ فقد أصبح إنتاج العمل ممكنًا، لكن بقاءه وتأثيره مسألة أخرى لا يستطيع أحد فرضها،قد يدفع الإعلان القارئ إلى اقتناء رواية، لكنه لن يجبره على إكمالها إذا لم يجد فيها ما يلامس ذائقته أو إنسانيته. فالزمن والقارئ هما الاختبار الحقيقي لأي عمل أدبي.
أما عن وصول الرواية الأردنية إلى الفضاء العربي والإنساني، فأعتقد أنها استطاعت ذلك في أكثر من تجربة فقد خرجت بعض الروايات الأردنية إلى القارئ العربي أولًا ثم عادت لتجد مكانها في الداخل، وكأنها تؤكد أن الأدب الحقيقي لا تحده الجغرافيا كما تحولت بعض الأعمال إلى مسلسلات عربية، ومنها أعمال للأستاذ جمال ناجي، وكثيرة هي الروايات الأردنية التي تُرجمت إلى لغات العالم المختلفة،قد يكون الفارق كبيرًا بين بدايات الرواية الأردنية وما يُنتج اليوم، لكنني ما زلت مؤمنًا بأن لدينا القدرة على كتابة روايات تتجاوز الحدود والأزمنة، لأن الرواية التي تحمل الإنسان في داخلها تستطيع أن تصل إلى أي مكان.

7- كيف يرى سعيد الصالحي دور الناقد الأدبي اليوم؟ هل يعزز النقد الحقيقي قوة الرواية من خلال كشف أبعادها الخفية وتفكيك بنيتها الفنية، أم ترى أن النقد العربي المعاصر بات يتخلف أحياناً عن مواكبة التجارب الروائية الشابة والحديثة؟
هذا السؤال يفتح قريحتي للحديث عن النقد الأدبي، فمنذ أن خطوت أولى خطواتي في عالم الكتابة الرحب بدأت أتعامل مع النقد بوصفه ضميرًا للأدب والفنون، ومع الناقد الأدبي بوصفه شريكًا في كشف جماليات العمل وقراءة أبعاده الخفية، وحارسًا لقيمة الرواية والفنون بشكل عام،ولا شك أن النقد الأدبي أصبح علمًا قائمًا بذاته، له أسسه ومدارسه ومذاهبه، وأكثر ما يلفت انتباهي فيه أنه علم متطور باستمرار، لا يقف عند أدوات ثابتة أو قراءات مغلقة، لأن الأدب نفسه يتغير وتتغير معه أساليب قراءته،وعلى الكاتب أن يدرك دائمًا أن الناقد ليس خصمًا شخصيًا له، بل هو الجانب المكمل لعمله وأنا شخصيًا استفدت كثيرًا من النقاد الذين تناولوا روايتي الأولى، وأشعر بالكثير من الامتنان لهم؛ لأنهم أضافوا لي، سواء من خلال ملاحظاتهم السلبية أو الإيجابية فالأولى تدفع الكاتب إلى المراجعة والتحسين، والثانية تمنحه الثقة للاستمرار والتطور،وفي النهاية، أعتقد أن الرواية والنقد وجهان لحالة أدبية واحدة؛ فالرواية تمنحنا الأسئلة، والنقد يساعدنا على رؤية طبقاتها ومساحاتها التي قد لا تظهر من القراءة الأولى.

8-حجارة عمان كتبت عنها أكثر من مقال ماذا تعني لك تلك الحجارة؟
لا أعتقد أنني اخترت حجارة عمّان بقدر ما هي التي اختارتني ففي السنوات الأخيرة استحوذت على كثير من مقالاتي، لأنها في نظري الحارس الأمين لذاكرة المدينة وتاريخها،هذه الحجارة بقيت في عمّان عندما غادرها معظم أهلها، وصمدت في وجه الزلازل والسيول، وشهدت على من مروا بالمدينة، وعلى من حكموها، وعلى من رحلوا عنها، ولهذا أشعر أن الحجر ليس مجرد مادة للبناء، بل شاهد لا ينسى، يحتفظ بما تعجز الذاكرة البشرية أحيانًا عن الاحتفاظ به.
وحجارة عمّان لا تبدو لي كغيرها من الحجارة، أشعر أن لها أرواحًا وأنها تتحدث لغات قديمة وحديثة في آن واحد، لكن معظمنا لا ينجح في الإصغاء إليها، لأن سماعها لا يحتاج إلى أذن بقدر ما يحتاج إلى قلب يعرف كيف ينصت، وروح تؤمن بأن للأماكن ذاكرة لا تموت.

9- ماذا تعني عمان لك؟
عمّان مدينتي الجميلة والمحببة، فهي ليست مسقط رأسي وحسب، بل المدينة التي سميتها في روايتي الأولى «المدينة الناجية»، لأنها عرفت عبر تاريخها الطويل كيف تنجو. ولهذا أحبها؛ لأنها كانت تنجو دائمًا، وأؤمن بأنها ستنجو مرة أخرى، وسننجو معها.
وعمّان ليست بالنسبة لي أسواقًا ومحال تجارية، وليست طبقًا من الطعام أو مشهدًا عابرًا، عمّان هي ذلك العنصر الثمين الذي وُلد عندما تفاعل الحجر مع الإنسان وشجرة البلوط مع عصفور الدوري فصنعا معًا روح مدينة لا تشبه سواها، وهي ليست عاصمة لمملكة فحسب، بل عاصمة لحضارات تعاقبت عليها وتركت فيها شيئًا من ذاكرتها، وأكثر ما أحبه فيها أنها لا تغضب ممن يقسو عليها أو يهجرها، بل تظل تفتح ذراعيها لكل من يعود إليها، وكأنها تعرف أن المدن الكبيرة لا تنتقم من أبنائها،ورغم أن الملايين يعيشون فيها، فإن القليل فقط يقول بفخر: أنا عمّاني. وربما لهذا السبب ما زلت أكتب عنها؛ لأنني أشعر أن عمّان تستحق أن تُحَب أكثر مما تُوصَف.

10- ما هي المعايير التي تختارها لعناوين مقالتك؟
في معظم الأحيان لا أبدأ الكتابة وأنا أعرف عنوان المقال، بل أشعر أن العنوان يفرض نفسه عليّ عندما أصل إلى منتصف النص تقريبًا وكأنه ينتظر حتى تتضح الفكرة قبل أن يعلن عن نفسه.

أول ما أبحث عنه في العنوان أن يمنح القارئ مفتاحًا للدخول إلى عالم المقال، من دون أن يكشف كل ما فيه، أحب أن يلمح إلى الفكرة، لا أن يشرحها، وأن يثير الفضول أكثر مما يقدم الإجابة، أما المعيار الثاني، فهو أن يكون العنوان جذابًا وسهل الحفظ، بحيث يبقى في ذاكرة القارئ، ويستطيع أن يستحضره بسهولة عندما يريد الحديث عن المقال أو الإشارة إليه، ويبقى المعيار الثالث هو التفرد، فأنا أحرص على أن يكون لكل مقال عنوانه الخاص الذي لا يختلط بغيره، لأن معظم مقالاتي تُنشر إلكترونيًا، وأرغب أن يكون الوصول إليها سهلًا، وأن يجدها القارئ مباشرة عندما يبحث عنها أو عن اسمي في محركات البحث.

11- ما هو الكتاب الذي أثر فيك؟
من الصعب جدًا أن أختار كتابًا واحدًا وأقول إنه الأكثر تأثيرًا في حياتي، لأن علاقتي بالقراءة لم تُبنَ على كتاب بعينه، بل على رحلة طويلة مع كتب كثيرة ترك كل منها أثرًا مختلفًا، هناك كتب كنت أقرأها بشغف حتى تحرمني النوم، وكتب أخرى كانت تجعلني أؤجل بعض التزاماتي لأنني أريد أن أعرف إلى أين ستأخذني صفحاتها التالية، كما أن هناك كتبًا قليلة تركت في نفسي انطباعات قاسية أو أسئلة مزعجة، لكنها بقيت مؤثرة أيضًا لأن الكتاب لا يؤثر فينا فقط عندما يمنحنا المتعة، بل أحيانًا عندما يربك أفكارنا أو يدفعنا إلى إعادة النظر.
أنا من عشاق القراءة، وعندما كنت أصغر سنًا كنت أكثر انتقائية فيما أقرأ، أما اليوم فأقرأ في مجالات كثيرة، لأن كل كتاب يمكن أن يفتح نافذة جديدة على الإنسان والحياة، باستثناء ما أشعر أنه مكرر أو بلا روح، ومع ذلك تبقى كتب البدايات مختلفة؛ فلذة الاكتشاف الأولى لا تتكرر، والكتب التي رافقتنا في بدايات الطريق تترك في النفس أثرًا خاصًا يبقى معنا لسنوات طويلة، وربما لا نستطيع دائمًا أن نحدد كتابًا واحدًا صنع هذا الأثر، لأن بعض الكتب تمنحنا فكرة، وبعضها يمنحنا سؤالًا، وبعضها يترك إحساسًا لا يغادرنا.

12- كتبت المقالة ما الفرق بين الرواية والمقال؟
عندما أكتب مقالًا فإنني ألتقط لحظة، أو شعورًا، أو صورة تمر أمامي أو تعبر مخيلتي، ثم أحاول أن أختزلها في كلمات قليلة، أما الرواية فهي عالم كامل، تحتمل من الوصف والتفاصيل وبناء الشخصيات والأحداث ما لا يطيقه المقال.
المقال يمنح القارئ فكرة مركزة في صفحات قليلة، أما الرواية فتتسلل أفكارها إلى عقل القارئ وقلبه ووجدانه بهدوء، عبر الفصول والشخصيات والأحداث، حتى يشعر في النهاية أنه لم يقرأ حكاية فحسب، بل عاشها، وفي مقالاتي الأخيرة كانت عمّان حاضرة باستمرار، أما في روايتي الجديدة فعمّان ليست مجرد مسرح للأحداث، بل هي الرواية والحكاية نفسها. إنها الجامع المشترك بين ما أكتبه في المقال وما أبنيه في الرواية، لا بوصفها مكانًا نعيش فيه، بل بوصفها مكانًا مرّ به ملايين البشر، لكن قليلين هم الذين تركوا فيه أثرًا، أو ترك فيهم أثرًا بقي حيًا رغم مرور الأيام.
لقد منحني المقال متعة التقاط الفكرة في لحظتها، ومنحتني الرواية متعة العيش داخلها طويلًا، ولذلك أشعر أن كلًّا منهما أضاف إليّ شيئًا لا يستطيع الآخر أن يمنحه.