د. رلى السماعين تكتب : المملكة النبطية: من الوثنية إلى المسيحية

د. رلى السماعين
أنوفيا – كنت أقرأ كتاباً شيقاً بعنوان تاريخنا المنسي لحيدر هلسة، عندما استوقفتني صفحتان.أعادتاني إلى سؤال كنت قد سمعته ذات مرة في أحد المؤتمرات: أين اختفى الأنباط؟
في ذلك الوقت، بقي السؤال معلقاً في القاعة بلا إجابة، وظل عالقاً في ذهني. كيف يمكن لحضارة استطاعت أن تبني البترا، وتتقن إدارة المياه في واحدة من أقسى البيئات على وجه الأرض، وتنشئ شبكة تجارية ربطت بين مناطق متباعدة من العالم القديم، أن تختفي ببساطة؟
قدمت الصفحتان اللتان قرأتهما منظوراً شعرت بأنه يستحق المشاركة.
ربما لا يكون السؤال الأدق أين اختفى الأنباط، بل ماذا حدث لهم مع استمرار حركة التاريخ؟ فالحضارات الكبرى نادراً ما تختفي بين ليلة وضحاها. يبقى الناس، وتتغير المجتمعات، وتصعد القوى السياسية وتسقط، وتتطور الهويات، فيما تستمر الآثار في الأماكن والتقاليد والعمارة والسجلات التاريخية.
ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى البترا باعتبارها مجرد بقايا مهيبة لحضارة انتهت، بل أيضاً بوصفها دليلاً على الاستمرارية؛ مكاناً ما يزال يحمل شواهد على الناس الذين بنوه، وعلى التحولات التي جاءت من بعدهم.
في هذا المقال، أريد أن أتتبع بعضاً من تلك المسارات التاريخية، وأن أشارك شواهد قلّما يجري تناولها خارج الدوائر المتخصصة. ليس بهدف إضفاء طابع رومانسي على الماضي، بل لفهمه بصورة أوضح.
” ظهرت المملكة النبطية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، حوالي عام 259 ق.م، حين ازدهرت تجارتهم. ومع بداية العصر المسيحي، امتد نفوذ الأنباط من دمشق شمالاً إلى شمال الحجاز، فيما شمل نفوذهم شرقاً البادية السورية حتى نهر الفرات.
ويعتبر المؤرخ جرجي زيدان أن الأنباط كانوا عرباً، ويوافقه في ذلك سبنسر تريمنغهام، وهو باحث بريطاني متخصص في التاريخ الإسلامي والمجتمعات العربية والأديان، وكان يرى أنهم استخدموا الآرامية في كتاباتهم فقط لأنها كانت لغة الكتابة في عصرهم، في حين كانوا يتحدثون العربية في حياتهم اليومية داخل بيوتهم.
ويرى جواد علي، المؤرخ والباحث العراقي، أن أسماءهم تدل على عروبتهم، كما اعتقد أنهم هاجروا في الأصل من شبه الجزيرة العربية إلى شمال الحجاز.
أما فيليب حتي، المؤرخ والباحث اللبناني-الأميركي المتخصص في التاريخ العربي والشرق أوسطي، فقد اعتبر الحضارة النبطية حضارة مركبة: عربية في لغتها، آرامية في كتابتها، سامية في ديانتها، ويونانية-رومانية في فنها وعمارتها.
ومع ذلك، حافظ الأنباط على خصائص العنصر العربي، وعلى أسمائهم العربية إلى جانب ترجماتها اليونانية. فعلى سبيل المثال، كان لملكهم الحارث الرابع (9 ق.م–40 م) الاسم المقابل فيلوباتريس، إلى جانب اللقب التشريفي «رحم عمو» (Rahem Ammu)، ومعناه «رحيم شعبه».
وفي أوساطهم الداخلية، كانوا يستخدمون اللغة العربية، غير أن هذه العربية تأثرت باحتكاكها باللغة الآرامية وباللهجات العربية الشمالية. ويرى جواد علي أن الأنباط كانوا أقرب إلى قريش وعرب الحجاز منهم إلى عرب الجنوب.
وامتدت مملكتهم عبر جبال أدوم غرباً، وهضبة حِسمى جنوب غرب، ووادي السرحان شمال شرق، واتخذوا من البترا عاصمة لهم.
إلا أن دولتهم واصلت التوسع حتى شملت، في ذروة ازدهارها، دمشق وسهل البقاع في الشمال، وحوران والأجزاء الجنوبية من فلسطين، وأرض مدين على شواطئ البحر الأحمر.
بل إن بعض الأنباط استقروا على الضفة الشرقية لدلتا النيل، حيث تركوا بعض النقوش. وكانت غزة الميناء المفضل لدى الأنباط على البحر الأبيض المتوسط.
وكان ملوكهم:
الحارث الأول، 169 ق.م (سفر المكابيين الثاني 8:5).
زايدل، 146 ق.م.
الحارث، المعروف باسم «إيروتيمس»، 96–110 ق.م.
عبادة الأول، 90 ق.م.
رب إيل الأول، ابن عبادة، 87 ق.م.
الحارث الثالث، المعروف باسم «فيلهيلين»، 62–87 ق.م.
عبادة الثاني، 47–62 ق.م.
مالك الأول، 30–47 ق.م.
عبادة الثالث، 9–30 ق.م.
الحارث الرابع، المعروف باسم «فيلوميتور»، 9 ق.م–40 م.
مالك الثاني، 75–40 م. وهو الذي ساعد القائد الروماني فسبازيان في حربه ضد اليهود سنة 67 م.
رب إيل الثاني، 101–65 م، المعروف باسم «سوتير»، وكان ابن مالك الثاني.
مالك الثالث، 106–101 م. وكان آخر ملوك الأنباط، ودخلت بلاده تحت الحكم الروماني المباشر سنة 106 م.
الأنباط والمسيحية
لم تكن المسيحية ديانة الدولة. فقد تأسست الدولة النبطية قبل المسيح بقرنين، وكان شعبها وملوكها وثنيين. إلا أن المسيحية دخلت أرض الأنباط منذ القرن الأول الميلادي عن طريق متياس، الذي اختير من بين التلاميذ ليحل محل يهوذا ضمن الاثني عشر.
وتوجه متياس إلى أرض العرب والأنباط وعلّم هناك. كما وُجدت المسيحية في أرض الأنباط، ويذكر مؤلف الخريدة النفيسة أنها «كانت ملجأ لها من الاضطهاد خلال القرون المسيحية الأولى».
ويذكر مؤلف الخريدة النفيسة أيضاً أن يهوذا الرسول، أخا يعقوب البار، المعروف باسم تداوس ولباوس، والمختلف عن تداوس الذي كان من السبعين وبشّر أبجر ملك الرها، كان هو تداوس أحد الاثني عشر. وقد بشّر في اليهودية والسامرة والجليل وأدوم والعربية. ومن المعروف أن أدوم في القرن الأول الميلادي كانت تشكل الجزء الرئيسي من المملكة النبطية. كما حدث فرار الجماعة المسيحية من فلسطين إلى قرى حوران خلال فترة حكم الأنباط لحوران.
ومن خلال قراءة متأنية لحادثة اهتداء بولس على طريق دمشق سنة 36 م، ووجود مؤمنين في دمشق، من بينهم حنانيا وآخرون كان بولس ينوي اضطهادهم، ثم توجه بولس بعد ذلك إلى العربية، نجد أن التفسير الوحيد لوجود مؤمنين في دمشق والعربية هو أن يسوع نفسه، أثناء تنقله في مناطق حوران وشرق الأردن، كان قد كسب تلك النفوس إلى الإيمان. بل إن انتشار المسيحية في الصحارى العربية كان أسرع من انتشارها في منطقة أنطاكية.
وقد اضطهد الرومان المسيحيين في الشرق. وعندما غزا تراجان المملكة النبطية سنة 106 م، عامل المسيحيين بقسوة، وفي سنة 112 م أصدر أمراً بقتل كل مسيحي لا يبقى موالياً للقيصر.
وأصبحت البترا، عاصمة الأنباط، واحدة من المراكز المسيحية المهمة. وعلى الرغم من انتهاء الدولة النبطية سنة 106 م، استمرت المسيحية في الانتشار في أرجاء المنطقة النبطية. بل إن العرب المسلمين كانوا يطلقون على المسيحيين العرب اسم الأنباط. ويقول ابن الكلبي عن قوم من بني لَأْي بن عُذرة، وكانوا من بلي وممن كانوا في مصر، إنهم كانوا أنباطاً.
وتمكن نلسون غلوك من تحديد ثلاثمائة موقع نبطي مسيحي في النقب. وهذا يدل على ازدياد انتشار المسيحية بين المزارعين الأنباط.»



















