+
أأ
-

أ.د. محمد الفرجات : عمّان تختنق مروريا.. والحل ليس شارعاً جديداً بل نظاماً جديداً للحركة

{title}
بلكي الإخباري

 

كتب أ.د. محمد الفرجات

لم يعد ازدحام شوارع عمّان مجرد مشكلة مرورية يومية يواجهها المواطن في طريقه إلى العمل أو الجامعة أو المدرسة؛ بل أصبح مشكلة اقتصادية وصحية وبيئية ونفسية واجتماعية تستنزف وقت الناس ووقودهم وأعصابهم وإنتاجيتهم، وتستهلك جزءاً من الاقتصاد الوطني كل يوم.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن كلفة عدم كفاءة النقل في الأردن تبلغ نحو 3 مليارات دولار سنوياً، أي ما لا يقل عن 6% من الناتج المحلي، فيما تُظهر تقديرات مرتبطة بأمانة عمّان أن خسائر التأخير والوقود الناتجة عن الازدحام في العاصمة وحدها وصلت إلى نحو 1.5 مليار دينار سنوياً وفق البيانات التي أوردها البنك الدولي. وهذه ليست أرقاماً عن السيارات فقط؛ إنها أرقام عن ساعات عمل ضائعة، واستهلاك وقود، وتلوث، وحوادث، وتراجع إنتاجية، واستنزاف لصحة الإنسان وجودة حياته.

المشكلة ليست في عدد السيارات وحده

عمّان مدينة ذات طبيعة طبوغرافية صعبة، وكثافة عمرانية مرتفعة، وشبكة طرق لا يمكن توسيعها بلا حدود. وفي الوقت نفسه ما زال الاعتماد الكبير على السيارة الخاصة نتيجة طبيعية لنقص التكامل والانتظام والاعتمادية في النقل العام.

ولهذا فإن بناء شارع جديد هنا أو نفق هناك قد يخفف الاختناق في نقطة، لكنه لا يعالج أصل المشكلة إذا استمرت السيارات الخاصة في النمو بالمعدل نفسه.

المطلوب هو إدارة حركة المدينة، وليس فقط إدارة إشارات المرور.

المقترح: “خطة عمّان للحركة الذكية”

أقترح إطلاق خطة وطنية مرحلية لإدارة الحركة في العاصمة، تقوم على ستة مسارات متزامنة:

أولاً: نظام فردي/زوجي للسيارات.. ولكن كتجربة ذكية لا كقرار أعمى

تُطبّق تجربة مرحلية لمدة 3–6 أشهر:

- السيارات ذات الأرقام الفردية تتحرك في الأيام الفردية.

- السيارات ذات الأرقام الزوجية تتحرك في الأيام الزوجية.

- يستثنى من ذلك سيارات الإسعاف والدفاع المدني والشرطة والطوارئ والنقل العام والمركبات التي تحددها الدراسة الفنية.

- تدرس استثناءات مدروسة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وبعض الحالات الطبية والخدمات الضرورية.

- لا يُطبق النظام عشوائياً على كامل المدينة منذ اليوم الأول، بل يبدأ في المناطق والمحاور الأكثر اختناقاً أو في ساعات الذروة، ثم تُقاس النتائج.

والفكرة هنا ليست منع المواطن من استخدام سيارته، وإنما تخفيض عدد السيارات الداخلة إلى أكثر المناطق ازدحاماً دون تحميل المواطن كلفة مالية مباشرة.

لكن يجب ألا يتحول النظام إلى غاية بحد ذاته؛ فإذا أثبتت البيانات أن له آثاراً جانبية كبيرة، يعدّل أو يستبدل بأدوات أكثر دقة لإدارة الطلب.

ثانياً: جعل النقل العام بديلاً حقيقياً للسيارة

لا يمكن مطالبة المواطن بترك سيارته إذا كان البديل غير موثوق.

لذلك يجب الانتقال من مفهوم "حافلة نقل" إلى مفهوم منظومة نقل عام حضرية متكاملة:

- حافلات حديثة ومريحة وآمنة.

- تردد معروف وثابت، لا انتظار مجهول.

- تطبيق موحد يبين موقع الحافلة ووقت وصولها.

- دفع إلكتروني وبطاقة أو محفظة واحدة.

- تكامل بين الباص سريع التردد والحافلات المغذية.

- محطات آمنة ومظللة ومهيأة للطلاب وكبار السن وذوي الإعاقة.

- ربط النقل العام بالجامعات والمدارس والمستشفيات والمراكز الحكومية ومناطق العمل.

- إعادة تنظيم الخطوط المتداخلة بدلاً من وجود مركبات كثيرة تتنافس على الراكب نفسه.

وهذا يتوافق مع توصيات البنك الدولي التي تدعو إلى دمج التشغيل والتعرفة، وتطبيق أنظمة النقل الذكية، وتوسيع شبكة الـBRT، وإدارة الطلب على السيارات.

والأردن بدأ بالفعل خطوات في هذا الاتجاه؛ فالمرحلة الثانية من مشروع النقل بين المحافظات تتضمن 180 حافلة، وأنظمة تتبع ودفع إلكتروني ومراقبة، بينما تتوسع شبكة الباص سريع التردد باتجاه المحافظات المجاورة.

المطلوب الآن هو نقل هذا النجاح من مشاريع منفردة إلى منظومة واحدة.

ثالثاً: منع الشاحنات والآليات الثقيلة من دخول قلب الذروة

من غير المنطقي أن تتزامن حركة شاحنات التوزيع والآليات الثقيلة مع خروج مئات آلاف الطلبة والموظفين إلى المدارس والجامعات وأماكن العمل.

لذلك أقترح منع حركة الآليات الثقيلة وشاحنات توزيع البضائع داخل المناطق والمحاور ذات الكثافة العالية خلال فترتين:

7:30–8:15 صباحاً

و

12:30–1:15 ظهراً

مع استثناء مركبات الطوارئ والخدمات الحيوية، ووضع نظام تصاريح للحالات التي لا يمكن تأجيلها.

وتُنقل عمليات التوزيع إلى ساعات مبكرة أو متأخرة، بحيث تدخل البضائع إلى المحال التجارية قبل بدء الذروة أو بعد انتهائها.

هذه الخطوة لا تحتاج إلى مليارات؛ تحتاج إلى تنظيم وتنسيق وإنفاذ ذكي.

رابعاً: إنشاء "بوابات عمّان" ومواقف Park & Ride

من أكبر الأخطاء أن يدخل القادم إلى العاصمة بسيارته الخاصة حتى مركز عمّان لمجرد أنه لا يجد بديلاً عملياً.

لذلك أقترح إنشاء مواقف سيارات كبيرة وآمنة ومنظمة عند مداخل العاصمة، مرتبطة مباشرة بحافلات سريعة ومريحة.

بوابة الجنوب

إنشاء موقف مركزي كبير وآمن على أحد المحاور المناسبة للقادمين من الجنوب باتجاه عمّان، وفي موقع مدروس قبل الدخول إلى قلب العاصمة، مع:

- مواقف واسعة.

- أمن ومراقبة.

- دورات مياه وخدمات.

- نقاط شحن للسيارات الكهربائية مستقبلاً.

- تذاكر إلكترونية.

- حافلات سريعة إلى المحاور الرئيسية في العاصمة.

- جدول تردد ثابت ومعلن.

- نقاط تحميل وتنزيل محددة.

وبذلك يستطيع القادم من العقبة ومعان والطفيلة والكرك ومادبا والمناطق الجنوبية أن يترك سيارته عند البوابة ويكمل رحلته داخل العاصمة بالنقل العام.

المقصود ليس موقفاً عادياً، بل محطة انتقال حضرية.

بوابة الشمال

والفكرة نفسها تطبق للقادمين من إربد وجرش وعجلون والمفرق وبقية مناطق الشمال، من خلال اختيار موقع استراتيجي على أحد مداخل العاصمة الشمالية، وإقامة موقف Park & Ride مرتبط بشبكة النقل السريع.

وبذلك تصبح الرحلة:

سيارة من المحافظة → موقف بوابة عمّان → حافلة سريعة → وجهة داخل العاصمة.

بدلاً من:

سيارة من المحافظة → اختناق الطريق → البحث عن موقف → اختناق جديد داخل العاصمة.

خامساً: إدارة المواقف داخل عمّان

لا يمكن حل الازدحام بينما تكون السيارة قادرة على دخول أكثر المناطق ازدحاماً ثم الوقوف فيها لساعات طويلة مجاناً أو بكلفة منخفضة.

لذلك يجب أن تصبح المواقف جزءاً من سياسة النقل:

- تسعير المواقف في المناطق التجارية شديدة الازدحام.

- رفع كفاءة المواقف متعددة الطوابق.

- تشجيع المواقف خارج مركز الاختناق.

- تطبيق الدفع الإلكتروني.

- منع الوقوف العشوائي على مسارب الحركة.

- استخدام كاميرات وأنظمة ذكية لرصد المخالفات.

ويمكن توجيه جزء من إيرادات المواقف مباشرة إلى تمويل تحسين النقل العام.

سادساً: تحويل عمّان إلى “مدينة مرورية ذكية”

نحتاج إلى غرفة عمليات واحدة لحركة العاصمة، تجمع البيانات من:

- إشارات المرور.

- كاميرات الطرق.

- GPS للحافلات.

- تطبيقات النقل.

- الحوادث.

- أعمال الطرق.

- الأحوال الجوية.

- كثافة المركبات.

- مواقف السيارات.

ثم تستخدم الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالاختناقات قبل وقوعها، وليس فقط التعامل معها بعد حدوثها.

وتتغير الإشارات المرورية وفق حجم الحركة، وتُرسل تنبيهات للسائقين، وتُعطى الأولوية للحافلات في بعض المحاور، وتُكتشف الحوادث سريعاً.

وهذا يتوافق مع توجهات الدراسات الدولية التي أوصت صراحة بإدخال أنظمة النقل الذكية وإدارة الطلب على الحركة ضمن إصلاح النقل الأردني.

والأهم: لا نعاقب المواطن على ضعف النقل العام

أي نظام فردي/زوجي أو قيود على السيارات يجب ألا يبدأ قبل توفير بدائل حقيقية.

لذلك أقترح أن تكون الخطة متدرجة:

المرحلة الأولى: تحسين النقل العام، الحافلات، المحطات، التطبيقات والمواقف الطرفية.

المرحلة الثانية: إطلاق تجربة الفردي/الزوجي في نطاق جغرافي وساعات محددة.

المرحلة الثالثة: قياس النتائج بالأرقام: زمن الرحلة، سرعة المركبات، عدد الركاب، استهلاك الوقود، الانبعاثات، الحوادث ورضا المواطنين.

المرحلة الرابعة: توسيع النظام أو تعديله بناءً على البيانات.

ماذا سنكسب؟

إذا نجحت الخطة، فإننا لا نخفف ازدحام الشوارع فقط.

نحن نستعيد وقت المواطن، ونخفض استهلاك الوقود، ونرفع إنتاجية الموظف، ونحسن وصول الطالب إلى مدرسته وجامعته، ونخفض الضوضاء والانبعاثات، ونقلل التوتر الناتج عن ساعات الانتظار اليومية، ونرفع كفاءة النقل التجاري، ونجعل الوصول إلى العاصمة أكثر سهولة للقادمين من المحافظات.

فالنقل ليس خدمة هامشية؛ إنه جزء من الإنتاج الوطني وجودة الحياة والصحة العامة والعدالة بين المواطنين.

وتشير الدراسات إلى أن ضعف النقل العام لا يرفع الازدحام والتلوث فقط، بل يحد أيضاً من وصول النساء والشباب إلى فرص العمل والخدمات.

عمّان لا تحتاج إلى مزيد من السيارات.. بل إلى مزيد من الخيارات

المعادلة الذكية ليست:

سيارة أم لا سيارة؟

بل:

متى تستخدم السيارة؟ وأين تتركها؟ ومتى تستخدم الحافلة؟ وكيف تنتقل بسرعة وأمان من بوابة العاصمة إلى وجهتك؟

ولا ينبغي أن يكون الهدف إلغاء السيارة الخاصة، فهذا غير واقعي.

الهدف هو أن تصبح السيارة خياراً من عدة خيارات، وليست الخيار الوحيد.

إن معالجة ازدحام عمّان يجب أن تنتقل من ردود الفعل اليومية إلى سياسة وطنية لإدارة الحركة، تجمع بين النقل العام، والمواقف الطرفية، وإدارة الشاحنات، وتنظيم السيارات الخاصة، والذكاء الاصطناعي، والإشارات الذكية، والتخطيط الحضري.

عمّان لا تحتاج إلى حرب مع السيارة؛ تحتاج إلى نظام يجعل المواطن يختار الطريق الأسرع والأرخص والأكثر راحة.

وهنا تبدأ المدينة الذكية فعلاً:

حين يصبح الوصول أسهل من الوقوف في الازدحام.