من خنادق التحرير إلى قشور الفلكلور: جريمة تدجين الوعي الأردني في صحن منسف ولحن دحية !!

كتب الناشر م. فادي العمرو :- ليس من قبيل الصدفة أن يُختزل وعي الأمم في قشور المظاهر وأواني الطعام حين يُراد لها أن تُفرَّغ من ثقلها الحضاري وجوهرها السياسي. فمحاولة حصر هوية الأردن في "طبق منسف" أو تخليد تاريخه في "لحن دحية" ليست مجرد سذاجة ثقافية عابرة، بل هي جريمة تسخيف ممنهجة وانحطاط بالوعي العام، يُراد منه تحويل وطن كُتب تاريخه بالدم والبارود إلى مجرد لوحة فلكلورية تُباع وتُشترى في سوق الاستعراض الرخيص.
الأردن لم يكن يوماً هامشاً عابراً في جغرافية الشرق، ولن تكون . هذه الأرض التي تنفست النبوات واحتضنت مقامات الصحابة، هي الامتداد الحي والشرعي لبركة المسجد الأقصى بنص التنزيل الصريح: ﴿والمسجد الأقصى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. هذه الأكناف المباركة كانت عبر آلاف السنين صانعة التوازنات ومقبرة الغزاة؛ هنا تحطمت غطرسة الروم في اليرموك، وهنا رُسمت حدود الإيمان في مؤتة، وهنا دارت أعظم معارك البقاء التي لقّنت كل محتل درساً في كلفة الاقتراب من هذه التلال الوعرة.
من العار الوطني والفكري أن يُعاد تصدير هذا الثقل الاستراتيجي والروحي ليصبح عنوانه كرنفالاً استهلاكياً تديره عقول مسطّحة، أو يروّج له عملاء ومسترزقون يسعون لتدجين الوعي الأردني واختزاله في صورة نمطية بائسة. الأردن الذي يتوسط إقليماً ملتهباً، والذي ظل شوكة في حلق مشاريع الهيمنة والتفتيت، وحافظ على كينونته صلبة كصوان البادية وصخور البتراء، لا يمكن لمن يحمل ذرة من عقل أن يرى هويته حبيسة حفل صاخب أو مائدة طعام.
لقد كانت هذه الأرض، منذ فجر التاريخ، المحطة الأولى والمنطلق الحقيقي لحركات التحرر ونهضة الأحرار؛ ملاذاً للمظلومين وخندقاً للمقاتلين الذين دافعوا عن هوية الأمة وقضيتها المركزية. لم تكن حدود الأردن مجرد خطوط رسمها المستعمر، بل كانت خط مواجهة مشتعل يدرك فيه الأردني أن وجوده مرتبط بكونه حارس الثغور ودرع الأمة، لا متفرجاً يُلهيه الرقص عن صوت الرصاص.
الأردن عقيدة جغرافية وتاريخ من النار والموقف. هوية كُتبت بتضحيات الفلاحين على سفوح جبالهم، وبثبات البدو في صحرائهم، وبدماء شهدائه الذين لا تزال أرواحهم تحوم فوق أسوار القدس وثرى الكرامة. ومن لا يرى في هذا الوطن العظيم سوى تفاهات الفلكلور وأطباق الولائم، فهو لا يعكس سوى قِصر نظره وضحالة فكره؛ أما الأردن، فسيظل بقدسيته وموقعه أكبر من كل محاولات التقزيم، وأعظم من أن تنال من هيبته خفة العابثين وجهل السطحيين.















