ألون بن مئير لـ«بلكي نيوز»: قيام الدولة الفلسطينية يتطلب تحولاً استراتيجياً لا شعارات.. والرياض تملك المفتاح الحقيقي للسلام

يحمل البروفيسور ألون بن مئير، أستاذ العلاقات الدولية والشرق الأوسط المرموق الحاصل على الدكتوراه من جامعة أوكسفورد والمحاضر لسنوات في جامعة نيويورك، رؤية لا تنفصل عن تعقيدات المشهد الإقليمي. وبينما يُعرف عنه معارضته الشرسة لليمين الإسرائيلي المتطرف ودعمه المستمر لمبادرة السلام العربية لعام 2002، يكتب بن مئير بانتظام في كبريات الصحف العالمية مثل "جروزالم بوست"، "لوموند"، و"كريستيان ساينس مونيتور".
في هذا الحوار الصريح والعميق مع «بلكي نيوز»، يضع بن مئير النقاط على الحروف فيما يخص مستقبل الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، مشدداً على أن حل الدولتين يظل المسار الوحيد، لكنه يحتاج إلى ثورة في التفكير والممارسة الفلسطينية لوضع اليمين الإسرائيلي في زاوية الحرج التاريخي.
«بلكي نيوز»: بروفيسور بن مئير، عقود من الكتابة والبحث في الصراع، وحرب مدمرة في غزة؛ أين تقف فرضية "حل الدولتين" اليوم وسط هذا الركام؟
د. بن مئير: لقد طرحتُ دائماً فرضية جوهرية لم تتغير: لن يحقق أي من الإسرائيليين أو الفلسطينيين الأمن أو الكرامة أو الاستقرار الدائم دون حل الدولتين. المعادلة غير قابلة للتجزئة؛ تحقيق أمن مطلق لإسرائيل أمر مستحيل طالما حُرم الفلسطينيون من حقهم المشروع في الدولة، وفي المقابل، لن تتحقق تطلعات السيادة الفلسطينية ما لم تتم معالجة المخاوف الأمنية المشروعة لإسرائيل. مصير الشعبين مرتبط ارتباطاً وثيقاً لا انفصام فيه.
«بلكي نيوز»: لكن اللوم دائماً ما يُلقى على سياسات الاحتلال واليمين المتطرف، وأنت من أشد منتقديه.. كيف ترى مسؤولية تل أبيب وحكومات نتنياهو؟
د. بن مئير: أدنتُ مراراً وتكراراً السياسات الإسرائيلية، ولا سيما الاحتلال المستمر منذ قرابة 58 عاماً. التوسع الاستيطاني المتواصل، الاستيلاء على الأراضي، التساهل المخزي مع إرهاب المستوطنين، والتجريد الممنهج للفلسطينيين من إنسانيتهم، كلها عوامل نسفت الثقة. وقد بلغت الذروة بهجوم 7 أكتوبر 2023 المروع، وما تلاه من حرب إسرائيلية في غزة وصفتها جهات وبحوث موثوقة بأنها تنطوي على أبعاد ترقى للإبادة الجماعية.
نتنياهو تحديداً، وخلال عقدين من الهيمنة السياسية، كرس نهج "فرّق تسد"؛ قام بتمكين حماس في غزة وإضعاف السلطة الوطنية في الضفة الغربية لضمان عدم بروز قيادة موحدة تطالب بالدولة. لقد فعلت حكوماته المتعاقبة كل شيء لعرقلة مسار السلام.
«بلكي نيوز»: هذا يقودنا إلى الجانب الآخر؛ لماذا تطالبون الفلسطينيين بتحول استراتيجي في حين أنهم الطرف الخاضع للاحتلال؟
د. بن مئير: الإقرار بمسؤولية إسرائيل الجسيمة لا يعفي الفلسطينيين من إخفاقاتهم الذاتية. الحركة الوطنية عانت من الانقسام، ضعف الحكم، الفساد المستشري، وسوء التقدير الاستراتيجي. الأهم من ذلك أنها عجزت عن إقناع المجتمع الدولي والشارع الإسرائيلي بالتزامها الصارم بحل الدولتين.
المقاومة المسلحة، بالنظر إلى التفوق العسكري الإسرائيلي الساحق، لم تكن غير مجدية فحسب، بل شكّلت فشلاً استراتيجياً عزز قوة المتطرفين في إسرائيل وقدّم لهم ذرائع للانتقام المفرط. العنف لم يحرر متراً واحداً، بل كرس الدمار. الدولة لن تأتي كهدية أو عبر الشعارات؛ يجب انتزاعها بالشرعية السياسية والإصلاح والاشتباك الدبلوماسي الحكيم.
«بلكي نيوز»: حددتم في قراءتكم الأخيرة خارطة طريق من عدة محاور للفلسطينيين؛ ما هي أولى هذه الأولويات؟
د. بن مئير: أولاً وقبل كل شيء: نبذ العنف بشكل قاطع ومدعوم بالسياسات؛ هذا الطرح -رغم صعوبته ومرارته تحت وطأة الممارسات الإسرائيلية الوحشية- سيضع إسرائيل في موقف دفاعي حرج أمام العالم. على حماس والجهاد وبقية الفصائل الاعتراف بأن هذا المسار أثبت مأساويته.
ثانياً: إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية بين فتح وحماس؛ فالقضية دون جبهة موحدة ستظل عرضة للشلل والاستغلال.
ثالثاً: تجديد الشرعية عبر انتخابات ديمقراطية عاجلة. أياً كان الفائز، يجب تشكيل حكومة ائتلافية تتعهد بنبذ العنف وتلتزم بالحل السلمي كخيار سياسي ومؤسسي للدولة القادمة.
«بلكي نيوز»: كيف يمكن لمجتمع يعاني تحت الحصار والاحتلال أن يُعيد ترتيب أوراقه الداخلية؟
د. بن مئير: عبر حشد المجتمع المدني؛ إشراك الأكاديميين، النقابات، القيادات الدينية والمجتمعية لتعزيز ثقافة السلام وبناء التماسك الداخلي.
كذلك، لا بد من مواجهة الفساد المؤسسي بحزم ودون مواربة؛ الفساد تسبب بتآكل الثقة الشعبية وأضعف منظومة الحكم، ولا يمكن كسب ثقة العالم دون حوكمة شفافة وقضاء مستقل وتركيز جاد على التنمية المستدامة وبناء اقتصاد صامد يبرهن على جاهزية المؤسسات للسيادة.
«بلكي نيوز»: على مستوى القيادة الرمزية والشارع، هناك حالة من الفراغ.. كيف ترى مخرج هذه الأزمة؟
د. بن مئير: هنا تبرز نقطة حاسمة: الالتفاف حول شخصيات توحيدية. مروان البرغوثي، على سبيل المثال، يحظى بإجماع وشرعية استثنائية عابرة للفصائل. يجب إطلاق حملة دبلوماسية ودولية ضاغطة ومستمرة لإلزام إسرائيل بالإفراج عنه؛ وجوده طليقاً قد يشكل رافعة حقيقية للتجديد السياسي والوحدة.
«بلكي نيوز»: ماذا عن الخطاب الخارجي؟ هل ترى أن الدبلوماسية الفلسطينية تخاطب العالم بلغته اليوم؟
د. بن مئير: تحتاج الدبلوماسية الفلسطينية إلى احترافية أوسع. هناك تحولات كبرى في الرأي العام الغربي، وتحديداً في الولايات المتحدة وبين فئة الشباب عقب حرب غزة؛ هذا التحول يحتاج إلى خطاب عقلاني وحملات مناصرة ذكية، إلى جانب الشراكة الفاعلة مع الاتحاد الأوروبي واستثمار أطر الأمم المتحدة ومحاكم حقوق الإنسان للضغط القانوني.
وفوق ذلك، يجب توجيه رسالة مباشرة للجمهور الإسرائيلي تعلن بوضوح: نحن جاهزون لمفاوضات غير مشروطة وللتعايش السلمي. تفكيك مخاوف المجتمع الإسرائيلي يسحب البساط تماماً من تحت أقدام اليمين الحاكم.
«بلكي نيوز»: تحدثتم عن بُعد إقليمي محوري يتمثل في المملكة العربية السعودية، ما هو الدور المرسوم للرياض في هذا التوقيت؟
د. بن مئير: المملكة العربية السعودية هي "بيضة القبان" في هذه المعادلة. ينبغي للقيادة الفلسطينية فتح قنوات اتصال خلفية عاجلة عبر الرياض؛ فالمملكة هي الوسيط الوحيد القادر على إمساك ما تلهث إسرائيل وراءه: التطبيع الكامل، الاندماج والشرعية الإقليمية، والفرص الاقتصادية الواسعة. والسعودية موقفها معلن وثابت بأن ثمن هذا الاندماج هو قيام دولة فلسطينية؛ وبالتالي، التحرك عبر هذا المسار يمنح المفاوض الفلسطيني ورقة ضغط استراتيجية لا يمكن لتل أبيب تجاهلها.
«بلكي نيوز»: كلمة أخيرة توجهها لصناع القرار والشارع الفلسطيني عبر منبر «بلكي نيوز»؟
د. بن مئير: الفلسطينيون لا يملكون ترف الوقت لانتظار صحوة ضمير أو تحول طوعي داخل المشهد السياسي الإسرائيلي؛ فالواقع يتجه نحو ترسيخ الوضع القائم وابتلاع ما تبقى. المبادرة الذكية والشجاعة الاستراتيجية هي خياركم المصيري الأخير: إما فرض مسار الدولة عبر التحول الديمقراطي والمؤسسي والنهج السلمي الحاسم، أو البقاء أسرى لواقع يزداد تجذراً وقسوة. الأدوات بين أيديكم، واللحظة التاريخية تتطلب شجاعة القرار لا تكرار الشعارات.



















