سند عكاش الزين :- حكومة الانجازات الناعمة .

لا أظن أن أي استطلاع سيقنعني بأداء رئيس الحكومة جعفر حسان، ولا أرى في الادعاء بارتفاع الثقة سبباً للتوقف عن السؤال عما حققه على أرض الواقع.
سنتان مضتا على تكليف هذه الحكومة ليبدأ المؤشر بالميل نحو العد التنازلي لرحيلها، فما الذي يعوض الوقت الذي أمضاه الناس في انتظار تحقق وعودها؟
سيعود جعفر حسان إلى بيته ومعه صور لاجتماعاته وجولاته الميدانية، وسيبقى المواطن يواجه تحديات المعيشة التي كابدها على أمل أن تتحسن الأحوال، ليكتشف أن الوقت الذي اقتطع من عمر الناس خدم الرئيس وفريقه الوزاري في صناعة سيرهم الذاتية في المقام الأول.
ولكي أكون منصفاً، بحثت كثيراً عن شيء يميز هذا الرئيس فلم أجد غير تعامله مع فكرة الدين العام كشهادة ثقة دولية وليس كعبء على المواطن، وكأن كل قرض جديد يحققه دليل على أن العالم يراهن علينا.
وهكذا أصبح الاقتراض ذروة الإبداع الاقتصادي، وبات النجاح في الحصول على أي قرض دولي جديد استشرافاً للمستقبل.
فرئيس هذه الحكومة مفتون بلغة الوعود التي تختصر المسافات؛ اللغة التي تجعل من الإعلان عن أي مشروع بداية إنجاز، ومن مجرد الاجتماع للنقاش حوله إنجازاً، ومن الإشارة إليه في الإعلام دليلاً على استمرار الإنجاز، فيكتمل المشروع في الأخبار الرسمية ويحقق أهدافه قبل أن يشعر به الناس على أرض الواقع.
بيئة هلامية ووعود تشبه القروض تجعل المواطن مديناً بالفضل لحكومة قدمت له إنجازات لأجل غير مسمى.
وتزداد غرابة المشهد حين يعود كلام الرئيس إليه برجع صدى الخطاب الموالي والأصوات المهللة بانتظار معجزة، فيسمع ما قاله بالأمس على أنه اكتشاف توصل إليه المواطن اليوم.
أما الناس البعيدون عن هذه الكواليس فلا يعيشون بالطريقة التي تظهر بها حياتهم في الجداول، فالأسرة التي تقتصد في طعامها وعلاجها لتدفع قسط الجامعة وارتفاع فوائد القروض قد تبدو منضبطة مالياً، مع أنها تعالج نقصاً بصناعة نقص آخر.
وأتساءل بمناسبة الحديث عن الديون:
هل نصفق لإنجاز الحكومة بالحصول على قرض ميسر يساعد في تأجيل سداد قرض سابق، أم نعالج الأسباب التي دفعتنا إلى الاقتراض؟
وهل نصدق بأن الحكومة خفضت الكلفة فعلاً ومنحت الاقتصاد فرصة لزيادة الإنتاج والإيرادات، أم أنها منحت نفسها وقتاً إضافياً وتركت السداد للمستقبل؟
المشكلة أن المستقبل لا يسكنه أشخاص مجهولون، بل نحن وأبناؤنا الذين نحملهم على الصبر ونعدهم بأن تعبنا الضائع سيصنع راحتهم.
كان أملنا في الإدارة الإنسانية (رحمها الله) أن تدفع الحكومة لكي ترى ظروف الناس داخل كل قرار، فتدرك أن الأمان الوظيفي والتعليم والعلاج والعمل ليست مطالب جانبية تعطل الحساب، وإنما الأسباب التي تستحق أن تُضبط الحسابات من أجلها.
لا أترحم على الإدارة الإنسانية بسبب ما وصل إليه نظام الخدمة المدنية فحسب، بل بسبب النهج الذي صودرت فيه المرونة وصار التحكم بأرزاق الناس مبنياً على قرارات تُصنع قبل المبررات.
من حق الحكومات أن تؤرخ سنواتها كما تشاء، أما الناس فيؤرخونها بما كسبوه وبما فقدوه؛ وأقسى ما قد يكتبونه أن عهد رئيس الوزراء جعفر حسان ظل يراكم الوعود بمشاريع مستقبلية حتى صار ذلك المستقبل ماضياً، وصارت وعوده جزءاً من التاريخ قبل أن يُطلب منه مغادرة الموقع.
سند عكاش الزبن


















