لا شرعية بلا إنصاف..

كتبت شيرين قسوس
العدل ليس ترفًا سياسيًا ولا شعارًا يُرفع في الخطب؛ إنه الاختبار الأخير لهيبة الدولة، والمحكّ الذي تنكشف عنده مصداقية القانون.
فما قيمة قانونٍ يُطبَّق على الضعيف بحزم، ويتراجع أمام القوي بخجل؟ وأي دولةٍ هذه التي يستيقظ فيها المواطن على يقينٍ مرير بأن النفوذ أقوى من الحق، وأن الانتماء هو الذي يحدد مقدار الحماية ودرجة المحاسبة؟ ذلك ليس قانونًا، بل امتياز يرتدي ثوب النص. وليست تلك دولة، بل ساحة تُوزَّع فيها الكرامة بالمحسوبية.
إن تطبيق القانون على جميع أطياف المجتمع، بلا استثناء ولا محاباة، ليس إجراءً إداريًا يُنجَز في مكتبٍ ويُطوى في ملف. إنه أساس الشرعية، وحصن المجتمع من الظلم، والضمانة الوحيدة التي تمنع تحوّل المظالم إلى أحقاد، وتحوّل الاختلافات إلى صراعات. فالمظلوم لا ينسى، والظلم لا يموت بالتقادم، بل يتخمّر في الصدور جيلًا بعد جيل حتى يجد يومه. وكل استثناءٍ يُمنح لقويٍّ هو رصاصة تُطلق على الثقة العامة، وكل محاباةٍ هي حجر يُنتزع من أساس البيت المشترك.
ومن هنا يصبح إصلاح العقد المجتمعي ضرورة لا تحتمل المماطلة؛ عقدٌ يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن على قاعدة الحقوق والواجبات، ويجعل المواطنة معيارًا جامعًا، لا درجاتٍ متفاوتة تُمنح بحسب القوة أو القرب أو الانتماء. إصلاحٌ يفتح أبواب المشاركة بدل إغلاقها، ويكرّس المساءلة بدل الإفلات منها، ويعالج جذور التهميش بدل الاكتفاء بقمع أعراضه، ويمنح الناس يقينًا بأن صوتهم لن يُهمل، وأن كرامتهم ليست سلعةً في سوق المساومات.
إن أخطر ما تواجهه الأوطان ليس اختلاف أبنائها، فالتنوع قوة حين يجد من يحتضنه. أخطر ما تواجهه أن يشعر بعضُ أبنائها أنهم خارج ميزان العدالة، وأن الباب الذي يُفتح لغيرهم يُغلق في وجوههم. وحين تنهار الثقة، لا تكفي القبضة الأمنية لترميم ما هدمه الظلم، ولا تنجح المسكّنات المؤقتة في إطفاء نارٍ وقودها الإقصاء وغياب الإنصاف. فالحديد قد يُسكت الأفواه، لكنه لا يُقنع القلوب؛ والخوف قد يصنع طاعةً، لكنه لا يصنع ولاءً.
الأوطان لا يحميها الخوف من الدولة، بل الثقة بعدالتها، ولا يصون وحدتها تطابق العقول، بل احترام اختلافها تحت مظلة القانون. فحيث يُصان الفكر، ويُحترم الإنسان، ويُحاسَب الجميع بميزانٍ واحد، يصبح السلم المجتمعي حقيقةً راسخة لا هدنةً هشّة، وحينها فقط تتحول المواطنة من حبرٍ على ورق إلى عهدٍ حيٍّ بين المجتمع والدولة.
فإما عدلٌ يسوّي بين الجميع، وإما فوضى تأكل الجميع. وليس بين الطريقين منزلة ثالثة.


















