+
أأ
-

سلاسل التزويد في المؤسسات الحكومية.. من عبء إداري إلى سلاح استراتيجي

{title}
بلكي الإخباري

 

بقلم غسان الشواهين 

لم تعد سلاسل التزويد مجرد وظيفة هامشية تشغل حيزا في الهيكل التنظيمي تحت مسمى المشتريات والمستودعات، بل أصبحت هي العمود الفقري الذي يحمل كيان أي مؤسسة تريد البقاء والنمو، وإذا كان هذا المفهوم حاسما في شركات القطاع الخاص التي تبحث عن الربح، فإنه أكثر حساسية وخطورة في المؤسسات الحكومية التي تتعامل مع المال العام وتقدم خدمات تمس حياة المواطن بشكل مباشر، فالدواء الذي يتأخر في المستشفى الحكومي وقطعة الغيار التي تتعطل بسببها محطة كهرباء والكتاب المدرسي الذي لا يصل في موعده، كلها ليست مشاكل تشغيلية بسيطة بل هي انعكاس مباشر لخلل عميق في سلسلة التزويد.

إن جوهر سلسلة التزويد يكمن في إدارة ثلاثة تدفقات متكاملة تسير معا كجسد واحد، تدفق السلع والخدمات من المنبع إلى المستفيد، وتدفق المعلومات التي تضمن أن القرار مبني على حقيقة لا على وهم، وتدفق الأموال الذي يضمن أن كل دينار تم إنفاقه حقق أعلى قيمة ممكنة، والمؤسسة الحكومية المحترفة هي التي لا تنتظر حتى تظهر الحاجة لتبدأ الشراء، بل هي التي تتنبأ بالحاجة وتخطط لها وتمنع تحولها إلى أزمة، وهنا يكمن الفارق الجوهري بين العقلية التقليدية التي تفتخر بسرعة الاستجابة للطلب العاجل والعقلية الحديثة التي تفتخر بأنها منعت ظهور الطلب العاجل من الأساس.

وعندما تدار سلاسل التزويد الحكومية باحترافية فإن فوائدها تتجاوز حدود التوفير المالي رغم ضخامته، فكل نسبة توفير ولو بسيطة في المشتريات الحكومية تعني مئات الملايين التي يمكن إعادة ضخها في مشاريع تنموية أخرى، لكن الأهم من التوفير هو حماية استمرارية الخدمة العامة، فالمخزون الدقيق والتنبؤ الصحيح يضمنان ألا تتوقف الخدمة الصحية ولا تتعطل المشاريع الوطنية، كما أن الإدارة المبنية على البيانات والمؤشرات تخلق بيئة من الشفافية والحوكمة تقلص المساحات الرمادية وتجعل قرار الشراء قرارا مؤسسيا لا قرارا مزاجيا، وفوق كل ذلك فإن سلسلة التزويد القوية هي خط الدفاع الأول في الأزمات، فالمؤسسة التي تعرف بدقة ماذا تملك وأين تملكه وكم يستغرق وصول البديل هي وحدها القادرة على الصمود.

وفي المقابل هناك أمراض مزمنة تنخر في جسد معظم سلاسل التزويد الحكومية وتجعلها تستنزف المال العام دون أن يشعر أحد، أخطرها على الإطلاق هو إدارة المخزون بالتخمين، حيث تبنى قرارات الشراء بمئات الملايين على إحساس شخص أو خبرة فردية أو مكالمة هاتفية، لا على بيانات تاريخية وتحليل علمي للطلب، وهذا التخمين يقود مباشرة إلى المرض الثاني وهو انعدام دقة المخزون، فتجد النظام يقول إن الصنف متوفر بينما الرفوف فارغة، أو العكس، فتكون كل قرارات التخطيط والإنتاج والتوزيع التي تلي ذلك مبنية على كذبة رقمية، وتكتمل الكارثة حين يتم التعامل مع مخزون الأمان بمنطق خاطئ يظن أن الأمان يعني الشراء بزيادة، فيتم تكديس الأصناف بلا حساب فيتجمد رأس المال وتتراكم تكاليف التخزين ومع ذلك يحدث نقص حاد في الأصناف الحيوية لأن الأمان لم يحسب بمعادلة علمية تربط تقلب الطلب بتقلب زمن التوريد ومستوى الخدمة المطلوب.

ومن رحم هذا التخمين يولد الإدمان الأخطر في العمل الحكومي وهو إدمان كلمة عاجل، فحين لا يوجد تخطيط تتحول كل الطلبات العادية إلى طلبات عاجلة، وهنا تبدأ الفاتورة الحقيقية، حيث نفقد قوتنا التفاوضية مع الموردين ونقبل بأول سعر وأول مورد متاح ونضطر للشحن الجوي بدل البحري بخمسة أضعاف التكلفة ونرهق فرق العمل بساعات إضافية ونتسبب في تأخير باقي المشاريع المهمة لإعادة ترتيب الأولويات، ثم يأتي نزيف صامت لا ينتبه له أحد وهو تسريب المشتريات، أي الشراء من خارج العقود والاتفاقيات الإطارية التي تم التفاوض عليها بشق الأنفس، فيضيع التوفير الذي حققته العطاءات و المناقصات بسبب طلبات جانبية غير منضبطة، وكل هذه الأمراض تغذيها عقلية تهتم بإدارة مكان التخزين وترتيب الرفوف ونظافتها بينما تهمل إدارة القرار والمال الموجود فوق تلك الرفوف، فالمخزن قد يبدو مثاليا للعين لكنه في الحقيقة مقبرة لأموال الدولة المدفونة في أصناف راكدة وميتة لا تتحرك.

إن الإصلاح لا يبدأ بشراء نظام إلكتروني جديد مهما كان متطورا، فالنظام لا يصلح عقلية، الإصلاح يبدأ بقرار إداري شجاع يغير المفاهيم، يبدأ بفرض الجرد الدوري المستمر بدلا من انتظار الجرد السنوي الصادم، ليضمن أن دقة المخزون لا تقل عن ثمانية وتسعين بالمئة لأن أي قرار مبني على بيانات غير دقيقة هو قرار خاطئ حتما، ثم يأتي التحول الحتمي من التخمين إلى البيانات، بأن تصبح كل أرقام مخزون الأمان ونقطة إعادة الطلب ومعدل دوران المخزون محسوبة بمعادلات علمية واضحة، مع إنشاء وحدة مستقلة للتنبؤ بالطلب تربط بين بيانات المبيعات التاريخية والموسمية وخطط المشاريع الحكومية وحملات التوعية، والأهم من كل ذلك هو وضع مؤشر أداء حاسم لنسبة الطلبات العاجلة واعتبار تجاوزها عشرة بالمئة إنذارا أحمر يستوجب تحليل السبب الجذري ومحاسبة المتسبب في سوء التخطيط لا مكافأته على سرعة التنفيذ.

وفي النهاية يجب أن تتحول علاقة الحكومة مع مورديها من علاقة أمر شراء عابرة إلى شراكة استراتيجية طويلة المدى، وأن يتم تدريب الكوادر على مفاهيم حديثة مثل التكلفة الإجمالية للملكية ومؤشرات الخطر الحرجة، فكفاءة الحكومة من كفاءة سلسلة تزويدها، والدولة التي تدير مخزونها بالتخمين إنما تدير مستقبلها بالتخمين، والتجارب العالمية تثبت أن ضبط سلاسل التزويد الحكومية وحده كفيل بتوفير ما بين خمسة عشر إلى خمسة وعشرين بالمئة من ميزانية التشغيل دون المساس بجودة الخدمة بل والارتقاء بها، والسؤال الذي يجب أن يعلق على جدار كل مكتب مسؤول اليوم ليس كم طلبا عاجلا نفذت، بل كم طلبا منعت أن يصبح عاجلا.