+
أأ
-

غسان الشواهين : جريمة الكرك.. يد الغدر لن تنال من وحدتنا

{title}
بلكي الإخباري

 

بقلم غسان الشواهين 

بقلبٍ يعتصره الألم، وعينٍ تفيض بالدمع دماً، نستنكر بأشد عبارات الإدانة والاستنكار العمل الإجرامي الجبان الذي استهدف المصلين الآمنين في كنيسة الروم الأرثوذكس بقرية حمود في الكرك الأبية، أثناء تشييع جنازة، فحول لحظة الوداع إلى فاجعة هزت وجدان الوطن.

إن هذا الفعل الدنيء دخيلٌ على ديننا الحنيف، دين السماحة والسلام، ومحرّمٌ في كل الكتب السماوية والشرائع الإنسانية، فما كان للرصاص أن يعلو على صوت الصلاة، وما كان للحقد أن يدنس بيتاً من بيوت الله.

إنها ليست جريمة ضد طائفة، بل هي جريمة ضد الإنسانية جمعاء، وطعنة غادرة في قلب الأردن كله، فكلنا إخوة في الدم، وشركاء في التراب، ورفاق في المصير.

نحن في بلد أبي الحسين، بلد الوئام والعيش المشترك، لم نعرف يوماً فرقاً بين مسلم ومسيحي، فهذا مسجدنا وتلك كنيستنا، يتعانقان في سماء الكرك كما تعانقت قلوبنا على مرّ التاريخ.

إن الدم الذي سال على أعتاب الكنيسة هو دمنا، والقلوب التي فُجعت هي قلوبنا، والدموع التي ذُرفت هي دموعنا، فمصاب الكرك هو مصاب كل أردني وأردنية، من شمال الوطن إلى جنوبه.

أي يدٍ آثمة تلك التي امتدت؟ شُلّت تلك الأيدي التي حملت السلاح لتزرع الموت في بيت الرحمة، وخسئت تلك النفوس المريضة التي أرادت أن تبذر بذور الفتنة في أرض المحبة.

إن الإسلام بريء من هذا الإرهاب براءة الذئب من دم يوسف، فديننا دين الرحمة، لا دين سفك الدماء وترويع الآمنين. الإسلام لم يكره أحداً على دينه، فكيف يبيح قتل من أوصانا بهم خيراً؟

إنهم جيراننا وشركاء الوطن، إن العيش المشترك ليس شعاراً نرفعه، بل هو عهدٌ في أعناقنا، وميثاقٌ في دمائنا.

لقد أراد المجرمون أن يمزقوا ثوب الوحدة الوطنية، ولكنهم نسوا أن هذا الثوب منسوج بخيوط من ذهب، منسوج بحب الهاشميين، وبتضحيات الأجداد، وبدم الفقيدين الذين قضوا وهم يؤدون واجب العزاء.

وهنا يتجلى المشهد الأردني العظيم كلوحة فسيفسائية بديعة، فريدة في جمالها، عظيمة في دلالتها، تجسد رابط المصير الواحد وعشق ثرى الأردن الطهور. ففي هذه الفسيفساء، كل حجر يكمل الآخر، المسلم إلى جانب المسيحي، والمسيحي إلى جانب المسلم، لوحة رسمها الأجداد بدمائهم وحفظها الأحفاد بوفائهم.

ولقد رأينا هذه اللوحة تتجسد في أبهى صورها في مواقف مسيحيي الأردن المشرفة على مر التاريخ، فهم لم يكونوا يوماً على الهامش، بل كانوا في قلب الخندق، حراساً للوطن، جنوداً أوفياء في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، أطباء ومعلمين ومهندسين، بناةً للدولة ومؤسساتها، مدافعين ببسالة عن الأردن وقيادته الهاشمية الحكيمة في كل المحافل، تهتف حناجرهم لله والوطن والملك كما تهتف حناجر إخوانهم المسلمين.

وفي خضم هذا الألم، جاء الموقف الهاشمي الأصيل بلسماً للجراح، فقد تابع جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، حفظه الله ورعاه، الحادثة لحظة بلحظة، وأوعز بتقديم كل الرعاية اللازمة، وجاءت التوجيهات الملكية السامية حازمة قاطعة بمحاسبة المجرمين وعدم التهاون مع كل من تسول له نفسه المساس بأمن المواطن وقدسية دور العبادة.

ولم يكن ولي عهده الأمين، سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، بعيداً عن المشهد، فكان حاضراً بقلبه وتوجيهاته، يجسد روح القيادة الشابة القريبة من أبناء شعبها، مطمئناً على المصابين، مواسياً لذوي الضحايا، مؤكداً أن دم الأردني واحد، وأن الاعتداء على أي أردني هو اعتداء على كل الأردنيين، وأن وعد الهاشميين لشعبهم هو الأمن والأمان والعدالة.

إن زيارة المصابين وتفقدهم والتخفيف عنهم لم تكن مجرد واجب رسمي، بل كانت رسالة ملكية عميقة بأن الدولة كلها، من قمتها إلى قاعدتها، تقف صفاً واحداً خلف أبنائها، وأن القيادة الهاشمية هي صمام الأمان الذي يحمي هذه الفسيفساء من العبث.

وإننا إذ ننحني إجلالاً لأرواح الضحايا الأبرياء والفقيدين الذين ارتقوا إلى بارئهم وهم يؤدون واجب العزاء، فكان عزاؤهم عزاءً لوطن بأكمله، نبكيهم بدم القلب لا بدمع العين، فإننا في ذات الوقت نرفع القبعة احتراماً وتقديراً وإكباراً لكل الجهود المبذولة من أجهزتنا الأمنية الباسلة.

لقد أثبت نشامى الأمن العام وقواتنا المسلحة الباسلة مرة أخرى احترافيتهم العالية وحكمتهم في احتواء الموقف، فبسرعة البرق طوقوا المكان، وبحكمة الكبار منعوا تأجيج الشارع، وبعين اليقظة التي لا تنام لاحقوا الجناة، ليؤكدوا للجميع أن الأردن دولة قانون ومؤسسات، لا مكان فيها لفوضى ولا لفتنة.

إن الكرك، قلعة الصمود والكبرياء، التي علمتنا أن المسيحي فيها هو أخ المسلم، وجاره وسنده في الشدة والرخاء، لن تنكسر أمام رصاص الغدر، بل ستزداد لحمة وقوة، وستبقى كما كانت دوماً مصنع الرجال ومهد البطولة.

نتقدم بأحر التعازي وصادق المواساة إلى أهلنا آل الهلسا الكرام، وإلى عشائر الكرك المسيحية الأصيلة، وإلى كل بيت أردني مفجوع، فعزاؤنا واحد، ومصابنا واحد.

وندعو بالشفاء العاجل للجرحى والمصابين، وأن يربط الله على قلوب ذويهم.

فليعلم الإرهاب أننا كلنا في خندق واحد، مسلم ومسيحي، يدٌ واحدة، وقلب واحد، وجسدٌ واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، نموت معاً ونحيا معاً، ويبقى الأردن أولاً وأخيراً، عصياً على كل يد غادرة، شامخاً بقيادته، قوياً بوحدته، منتصراً بوحدة أبنائه ونبذهم لكل أشكال العنصرية والطائفية.