د. تامر المعايطة يكتب : كيف يتشكل العقل التكفيري؟

ورد عن الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، قوله: إنما بدء وقوع الفتن أهواءٌ تُتَّبع، وهذا ملخص بداية عملية بناء الفكر التكفييري. فالعاقل يتبع الحق ولو خالف رأيه، والمتعصب يتبع رأيه ولو خالف الحق، وحُكماً لا يحدث ذلك فجأة، بل عبر عملية تدريجية، يتحوّل فيها الشخص من حالة الإيمان العادي أو حتى الاعتدال النسبي، إلى تطرف اعتقادي، يصل به أن يوسم غالبية المجتمع بالكفر، ويستحل ويتقبل العنف ضد المخالف، هكذا بالاعتماد على آراء أسياده الشاذة، التي لا تقوم على سندٍ ولا دليل. ومن غرائب القدر أن يكون الإمام علي، كرم الله وجهه، اول من حارب الخوارج في معركة النهروان، شخصياً أول ضحايا هذا الفكر التكفيري، عندما اغتاله الخارجي عبد الرحمن بن ملجم، بعد خروجه من صلاة الفجر، عام 40 هجرية.
لكن لكي نقف على فهم كيف يكون ذلك التشكل الفكري الشاذ؟ فإنه يجب أن نقرر مبدئياً، أنه يحدث ذلك لدى كل أهل الشذوذ الفكري، في كل الأديان والعقائد، بلا استثناء، أما لإننا معنيون بتوضيح الأمر على إثر الجريمة الإرهابية النكراء في بلدة حمود/ الكرك، فسنتكلم عن تشكل العقل التكفيري للخوارج تحديداً. وما ينطبق عليهم ينطبق عموماً على الباقين، وإن اختلفت التفاصيل.
يمر الانحراف الفكري عبر مراحل أساسية، أولاها تبدأ بقراءات انتقائية ومجتزأة للنصوص الدينية: آيات قرآنية وأحاديث نبوية في الولاء والبراء، والحاكمية، والجهاد، والردة. لكنها تُقرأ وفقاً لتفسيرات وتأويلات أسيادهم، مُجتزأةً من السياق التاريخي والفقهي لها، مع تجاهل أقوال جمهور العلماء والمفسرين، بما يُغرس لديهم مفاهيماً شاذة، تُخرج الدولة والمجتمع من الملة.
في المرحلة الثانية، يُستدرج الشخص من قبل من التقطه للتجنيد، بحيث يبدأ بفصله تدريجياً عن هويته الوطنية، أو الاجتماعية، أو العائلية، ليُعاد تعريفها على أساس انتماء ضيق لهوية الجماعة التي سينتمي لها تنظيمياً. حيث يصبح هذا الانتماء أهم من الأسرة، أو الوطن، أو حتى المذهب التقليدي الذي يؤمن به المجتمع الذي وُلد فيه. وهنا تحديداً تتحول نظرته للآخرين من أبناء مجتمعه، ويميل إلى استعمال أوصافٍ تنطق بها ألسنتهم، بأن المجتمع عبارة عن طواغيت أو مرتدين أو عملاء.
ثم في المرحلة الثالثة، يُشجَّع الشخص على الابتعاد عن الأسرة، والأصدقاء، ووسائل الإعلام المعتدلة، ليتم حصر المؤثرات عليه داخل دوائر مغلقة: مجموعات وخلايا منظمة، وسائل اعلام خاصة بهم، وقراءات حصرية لساداتهم ومفسريهم، وهي أشبه بعمليات غسل الأدمغة.
بعد ذلك، تبدأ عملية ربط مفاهيمي، لمظالم حقيقية كانت أو وهمية متخيلة: سياسية، اقتصادية، اجتماعية، أو حتى دولية بتفسيرات دينية خاصة بهم، مبنيةً على تأويلاتهم وليس على الحقيقة. ويُقال للشخص إن كل الأحداث أو المظلوميات، عقوبات إلهية، ونتيجة حتمية لترك الدين، أو بسبب حكم الطواغيت حصراً، وأن الحل الوحيد هو العودة إلى فهم السلف الصحيح، وهي عبارة ظاهرها جميل، إنما السُّم في الدَّسم، حيث البشاعة في من يقصدون من السلف، أي كبار شيوخ الخوارج تاريخياً فقط، مما يعطي التخلص من تلك المظالم معنى مقدساً لهم.
في مرحلةٍ لاحقة، يُدرَّب العقل التكفيري على رؤية العالم في ثنائية استقطاب حادة، لونين لا ثالث لهما: أبيض أو أسود، إيمان أو كفر، ولاء أو براء، طائفة منصورة أو طائفة باغية. وهكذا يختفي التدرج والاجتهاد والنسبية. وأي محاولة للنقاش أو التوازن تُعتبر عندهم تشكيكاً في الدين نفسه.
ثم تأتي أخطر المراحل، عندما يبدأ تعليم المنتمي لهم معتقدات الفكر التكفيري، وليس الدين الحنيف عن: الجهاد، ودفع الصائل، والخروج على الحاكم، حتى يتحول إلى تطبيع مع مشاهد العنف، وتبرير القتل. وتصوير العنف كضرورة شرعية، ليكن جاهزاً في المراحل المتقدمة من تقبل لفكرة القتل، أو التفجير باعتباره عملاً تعبدياً.
أما أخصب بيئات أهل الفكر التكفيري لجذب مجندين جدد لهم، أؤلئك الذين يعانون من الفراغ الروحي، أو أصحاب الرذائل المجتمعية، ومرتكبي الجرائم غير الأخلاقية، بتصوير أن ذلك الانتماء هو السبيل المنقذ لهم، وتخليصهم من عذابات تأنيب الضمير إن وجدت. يعزز ذلك أيضاَ عوامل أخرى مثل: الفقر، البطالة، الشعور بالظلم الأسري أو المجتمعي، أو ضعف التعليم النظامي وبالضرورة سطحية في التعليم الديني.
وصدقت العرب إذ قالت: إنما آفة العقل الهوى.


















