الأب عماد الطوال : دور المدرسة في بناء المواطن الأردني

الأب عماد الطوال – ماركا
لا تقتصر رسالة المدرسة على تقديم المعرفة وتنمية المهارات بل تمتد إلى بناء الإنسان الواعي القادر على التفكير المسؤول واحترام حقوق الآخرين والمشاركة الفاعلة في خدمة وطنه، فالتعليم الحقيقي لا يُقاس بما يحصّله الطالب من معلومات فحسب بل بما يسهم في تشكيل وعيه وما يرسخه لديه من قيم تنعكس على سلوكه وعلاقاته بالآخرين.
وتؤدي المدرسة دورًا محوريًا في بناء المواطن الأردني وتعزيز انتمائه إلى وطنه وهويته الوطنية الجامعة، ففيها يتعلم الطالب أن المواطنة ليست مجرد اعتزاز بالوطن أو ترديد لعبارات الانتماء بل مسؤولية تُترجم إلى احترام القانون وصون حقوق الآخرين والالتزام بالواجبات والإسهام في المصلحة العامة، كما يتعلم أن اختلاف الآراء والخلفيات لا ينتقص من قيمة الإنسان وأن قوة المجتمع لا تقوم على تطابق أفراده في أفكارهم بل على قدرتهم على الحوار واحترام الاختلاف والتفاهم المتبادل.
وهنا تبرز أهمية الفكرة التربوية التي ارتبطت بالمفكر الأمريكي جون ديوي ومفادها أن "التعليم ليس إعدادًا للحياة فحسب، بل هو جزء من الحياة نفسها" وهذا يعني أن المدرسة لا ينبغي أن تكتفي بتعليم الطلبة قيم المواطنة نظريًا بل أن تتيح لهم ممارستها في حياتهم اليومية من خلال الحوار وتحمل المسؤولية واحترام النظام والمشاركة في اتخاذ القرار، فالمواطنة التي يمارسها الطالب في مدرسته اليوم تسهم في تشكيل ملامح المواطن الذي سيكون عليه في مجتمعه ووطنه غدًا.
غير أن الطالب لا يأتي إلى المدرسة صفحة بيضاء فهو يحمل أفكارًا وقناعات تشكّلت في أسرته ومحيطه الاجتماعي وتتأثر كذلك بما يتلقاه عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وفي ظل الانتشار السريع للمعلومات قد يتعرض لمحتوى مضلل أو خطابات متعصبة تُقدَّم بأساليب جذابة ومؤثرة، وهذا يضع المدرسة أمام مسؤولية تربوية مهمة تتمثل في تنمية التفكير النقدي وتعليم الطلبة التمييز بين المعلومة الموثوقة والمعلومة المضللة والتثبت من المصادر قبل إصدار الأحكام أو تبني المواقف.
ولا يتحقق ذلك بتلقين الطلبة ما ينبغي أن يفكروا فيه بل بتعليمهم كيف يفكرون، فالطالب يحتاج إلى بيئة تشجعه على السؤال وتتيح له مناقشة الأفكار وفحص الأدلة ومراجعة قناعاته في ضوء المعرفة والمنطق، ومن هنا تبرز أهمية الحوار التربوي الذي يساعده على فهم واقعه وقراءة ما يدور حوله بوعي بدلًا من الانسياق وراء الأفكار المتعصبة أو رفض كل رأي مختلف.
ولا يعني ذلك أن المدرسة بديل عن الأسرة أو خصم لها فبناء الإنسان مسؤولية مشتركة تتكامل فيها أدوار الأسرة والمؤسسات التعليمية والمجتمع، فالأسرة هي الحاضنة الأولى للقيم والمدرسة تعزز هذه القيم وتوسع آفاقها من خلال المعرفة والخبرة والتفاعل مع الآخرين، وعندما تتكامل هذه الأدوار يصبح الطالب أكثر قدرة على التمييز بين الاختلاف الطبيعي الذي يثري المجتمع والتعصب الذي يقود إلى الإقصاء والإساءة.
ويتجلى هذا الدور في مواقف يومية قد تبدو بسيطة لكنها تحمل أثرًا تربويًا عميقًا حين يتعلم الطالب التحقق من خبر متداول قبل تصديقه أو نشره أو حين يناقش زملاءه في قضية يختلفون حولها فيستمع إليهم ويقدم حجته ويحترم حقهم في التعبير، كذلك حين يدرك أن حرية الرأي لا تعني الإساءة إلى الآخرين وأن الاختلاف لا يبرر السخرية من أصحاب الآراء المخالفة أو التقليل من شأنهم وأن الحقوق تقترن بالواجبات والمسؤوليات.
إن قيم المواطنة لا تُكتسب بمجرد حفظ تعريفاتها في الكتب بل تنمو من خلال الممارسة والتفاعل، فالطالب الذي يشارك في العمل الجماعي ويحترم النظام ويحافظ على الممتلكات العامة ويتقبل نتائج العمل المشترك ويتحمل مسؤولية أفعاله يتعلم المواطنة بصورة أعمق من الطالب الذي يكتفي بترديد مبادئها، كما أن المعلم يؤدي دورًا أساسيًا في هذه العملية فبعدل تعامله واحترامه للطلبة وطريقة إدارته للاختلاف يقدم لهم نموذجًا عمليًا للقيم التي يسعى إلى غرسها في نفوسهم.
وتنسجم هذه المسؤولية مع تأكيد جلالة الملك عبدالله الثاني أن "كل مواطن فاعل هو شريك كامل في مسيرة البناء والعمل والعطاء، كما في الحقوق والواجبات" فالمواطنة ليست انتماءً شكليًا بل شراكة حقيقية في بناء الوطن تقوم على المسؤولية والعمل واحترام الحقوق والالتزام بالواجبات، ومن هنا فإن إعداد المواطن الواعي يبدأ من بيئة تعليمية تساعده على فهم هذه المعاني وممارستها لا الاكتفاء بحفظها وترديدها.
إن المدرسة التي تؤدي رسالتها لا تكتفي بتعليم الطلبة ما ينبغي أن يعرفوه بل تساعدهم على بناء طريقة واعية في التفكير والتعامل مع الحياة، وهي التي تواجه التعصب بالمعرفة والحوار والقدوة وتمنح الطلبة فرصة لتعلم الاختلاف دون خصومة والنقد دون إساءة والانتماء دون إقصاء، كما أنها لا تفرض على الطالب قناعات جاهزة بل تهيئه ليكون قادرًا على التفكير المستقل واتخاذ المواقف المسؤولة واحترام الإنسان مهما اختلفت آراؤه أو خلفيته.
فبناء المواطن الأردني الواعي يبدأ من مدرسة لا تكتفي بتعليمه حب الوطن بل تساعده على أن يكون أهلًا لمسؤوليته واعيًا بحقوقه وواجباته وقادرًا على المشاركة في خدمة مجتمعه والإسهام في مستقبل الأردن بعقل منفتح وضمير مسؤول.

















