+
أأ
-

اقتصاد الارهاق.. كيف تحول تعب الموظفين الى سوق بمليارات الدولارات؟

{title}
بلكي الإخباري

لم يعد يوم العمل ينتهي بمجرد اغلاق الحاسوب او مغادرة المكتب. اذ تلاحق اشعارات البريد الالكتروني ورسائل تطبيقات العمل الموظفين في منازلهم. مما يضطرهم لقضاء ساعات اضافية في متابعة المهام. وعندما يحاول الموظف اخيرا الاسترخاء. يلجا الى هاتفه مرة اخرى. ولكن هذه المرة لاستخدام تطبيقات التامل او قياس جودة النوم او مراقبة بيانات التوتر عبر الساعات الذكية.

واضافت الدراسات ان للارهاق فاتورتين اقتصاديتين. الاولى تتمثل في تراجع الانتاجية وزيادة الغياب وتكرار الاخطاء المهنية. والثانية تظهر في حجم الانفاق الضخم الذي يخصصه الافراد والشركات لمحاولة استعادة مستويات الطاقة المفقودة. حيث تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية الى ان تكلفة الضغوط النفسية والقلق تلتهم تريليونات الدولارات سنويا نتيجة فقدان ملايين ايام العمل.

وبينت الارقام ان اقتصاد العافية العالمي شهد نموا متسارعا ليصل الى تريليونات الدولارات. مع توقعات باستمرار هذا الصعود خلال السنوات القادمة. حيث بات قطاع العافية الذهنية الذي يضم ادوات النوم والتامل من اكثر القطاعات نموا. مما يعكس تحول الحاجة الى الراحة والتركيز الى نموذج تجاري واستثماري مربح.

التكلفة الخفية للارهاق

واكد تقرير حالة بيئة العمل العالمية ان نسبة الموظفين المنخرطين فعليا في اعمالهم لا تتجاوز 20% عالميا. بينما يعاني نحو 40% من مستويات توتر مرتفعة بشكل يومي. وتتسبب هذه الفجوة في خسائر انتاجية تقدر بنحو 10 تريليونات دولار سنويا. وهو ما يمثل جزءا كبيرا من الناتج المحلي الاجمالي للعالم.

واوضح الخبراء ان الشركات لا تكتفي بتحمل تكلفة تراجع الاداء. بل تضخ مليارات الدولارات في برامج دعم الموظفين. مثل توفير اشتراكات الاندية الرياضية ومبادرات الصحة النفسية. حيث بلغ الانفاق العالمي على برامج العافية في اماكن العمل ارقاما قياسية. مما يضعنا امام ظاهرة غريبة حيث تدفع الشركات تكلفة تراجع الاداء ثم تنفق مجددا لاستعادة طاقة العاملين.

واشار المختصون الى ان الاحتراق الوظيفي اصبح ظاهرة مهنية مزمنة ناتجة عن سوء ادارة الضغوط. وليس مجرد شعور عابر بالتعب. مما يجعل الشركات في سباق دائم مع الزمن لتقليل خسائرها عبر الاستثمار في حلول تقنية وادارية متنوعة.

طلب متزايد على منتجات العافية

وكشفت بيانات تقنية ان تمدد العمل الى ساعات المساء اصبح القاعدة الجديدة. حيث يتلقى الموظفون مئات الرسائل والتنبيهات يوميا. مع زيادة ملحوظة في الاجتماعات التي تعقد بعد ساعات العمل الرسمية. مما ادى الى تآكل الوقت المخصص للراحة والتعافي الطبيعي.

واضافت التحليلات ان هذا الضغط المستمر خلق طلبا دائما على تطبيقات التأمل والاجهزة القابلة للارتداء. حيث انتقلت السوق من بيع منتجات بسيطة الى بناء منظومات متكاملة تجمع بين جمع البيانات والتحليل وتقديم توصيات شخصية. مما يضمن بقاء المستخدم مرتبطا بالتطبيق بشكل دائم.

واظهرت المؤشرات ان قطاع العافية الذهنية وصل الى احجام سوقية ضخمة. تشمل كل ما يتعلق بمنتجات النوم والمكملات الذهنية. مما يحول التعب الى فرصة ربحية مستمرة لا تتوقف عند حدود ساعات العمل.

من الخواتم الى الفنادق

واكدت الشركات المصنعة للخواتم الذكية نموا استثنائيا في مبيعاتها. حيث اصبح تتبع النوم نشاطا استثماريا بامتياز. وتتجه استثمارات هذه الشركات الى مليارات الدولارات بفضل الرهان على البيانات الصحية الشخصية.

واضافت قطاعات الضيافة والسياحة لمساتها على هذا السوق. حيث اصبحت الراحة جزءا اساسيا من المنتج الفندقي. وبدات الفنادق العالمية في تصميم تجارب نوم متكاملة تشمل الاضاءة والارشاد الغذائي لجذب المسافرين الباحثين عن التعافي من ضغوط الحياة اليومية.

وبينت استطلاعات الراي ان الرغبة في استعادة الطاقة اصبحت الدافع الاول للسفر والترفيه لدى نسبة كبيرة من الناس. مما يعزز من تحول الراحة الى عنصر تسويقي تعتمد عليه كبرى شركات الخدمات.

من يتحمل فاتورة التعافي؟

واوضحت الدراسات ان المستهلك يتحمل الجزء الاكبر من هذه الفاتورة عبر الاشتراكات الشهرية في التطبيقات والاجهزة الذكية. حيث تتحول مبالغ صغيرة متكررة الى عوائد ضخمة للشركات بفضل ملايين المستخدمين.

واضافت ان الشركات وشركات التأمين بدات تدخل كطرف ممول في هذا الاقتصاد لتقليل خسائر الغياب. لكن هذه الخدمات تظل حكرا على فئات معينة من الموظفين في الشركات الكبرى. بينما تفتقر قطاعات واسعة من العاملين الحرين لهذه المزايا.

وشددت التقارير على ان الانفاق في هذا المجال لا يزال غير متكافئ. حيث يتراجع الانفاق المؤسسي في بعض المناطق لصالح الاعتماد على الحلول الفردية التي يشتريها الموظف من ماله الخاص.

مسكنات ام علاج حقيقي؟

وكشفت تجارب علمية ان البرامج الصحية في اماكن العمل تساهم فعليا في تحسين انماط حياة الموظفين. لكنها تظل مسكنات ما لم يتم معالجة جذور المشكلة المتمثلة في عبء العمل المفرط وغياب التوازن بين الحياة والعمل.

واضافت منظمة الصحة العالمية ان الحل الامثل يتطلب تدخلات تنظيمية في بيئة العمل نفسها بدلا من الاعتماد الكلي على ادوات فردية. فالاختبار الحقيقي للصناعة يكمن في مدى قدرتها على خفض التعب فعليا وليس فقط بيع ادوات لتحمله.

وختاما يتضح ان الاقتصاد الحديث وضع سعرا لكل مرحلة من رحلة التعب. حيث يربح الجميع من الارهاق باستثناء الموظف الذي يدفع ثمن راحته. ان اتساع سوق التعافي لا يعني اننا اصبحنا اكثر راحة. بل يعني اننا اصبحنا اكثر استعدادا للدفع مقابل وهم الراحة في عالم لا يتوقف عن العمل.