أ.د. محمد الفرجات : "إدارة الاستخبارات" بالأمن العام،،، هل تقتضي الضرورة استحداثها في الهيكل الإداري للجهاز، وما هي مهامها؟

كتب أ.د. محمد الفرجات
تفرض المستجدات الأمنية المتسارعة، وتغير طبيعة الجرائم وأساليب ارتكابها، وتنامي دور الفضاء الرقمي في التحريض والتجنيد والتخطيط والاعتداء، إعادة النظر باستمرار في أدوات العمل الأمني وهياكله التنظيمية، ليس من باب التوسع الإداري، وإنما لمواكبة التحديات الجديدة والانتقال من التعامل مع الجريمة بعد وقوعها إلى استباقها ومنع حدوثها.
وقد أعادت الأحداث الأمنية المؤلمة التي شهدها الأردن مؤخراً، ومنها جريمة حمود والاعتداء الذي أودى بحياة الشرطي جواد، طرح سؤال يستحق الدراسة المؤسسية الجادة: هل يحتاج جهاز الأمن العام إلى استحداث إدارة متخصصة بالاستخبارات الشرطية، تكون مهمتها جمع وتحليل وربط المؤشرات والمعلومات المتعلقة بالتهديدات والجرائم المحتملة، وتقديم الإنذار المبكر للجهات المختصة، بما يساعد على منع وقوع الجريمة قبل وقوعها؟
وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التمييز بين أدوار المؤسسات والأجهزة الأمنية القائمة. فإدارة البحث الجنائي في الأمن العام تؤدي دوراً محورياً في كشف الجرائم والتحقيق فيها وجمع الأدلة وملاحقة مرتكبيها، كما تطورت اختصاصاتها لتشمل الجرائم الإلكترونية والجرائم المستحدثة. أما إدارة الأمن الوقائي، فتؤدي دوراً مهماً في متابعة القضايا والأنشطة ذات الصلة بالأمن الوقائي، ورصد المؤشرات والتعامل معها ضمن اختصاصاتها. وهاتان الإدارتان تمثلان ركيزتين أساسيتين في المنظومة الشرطية، لكن طبيعة التهديدات الجديدة تستدعي تعزيز التكامل بين المعلومات والتحليل والاستشراف والتدخل الوقائي المبكر.
وفي المقابل، تضطلع دائرة المخابرات العامة بمهام استخبارية وطنية استراتيجية لحماية الأمن الداخلي والخارجي للمملكة، ومكافحة الإرهاب والتجسس والتخريب، وجمع المعلومات وتحليلها وتقديمها لصناع القرار. كما تؤدي مديرية الاستخبارات العسكرية في القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي مهامها في حماية أمن القوات المسلحة والمملكة، وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، فيما يشكل الاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات وتحليلها جزءاً أصيلاً من العمل العسكري والأمني.
إذن، لدينا مؤسسات وطنية ذات خبرات متقدمة في العمل الاستخباري والأمني والعسكري، ولكل منها اختصاصاتها ومسؤولياتها. لكن السؤال الذي أطرحه هنا يتعلق بطبيعة عمل الأمن العام تحديداً، بوصفه الجهاز الأقرب إلى الحياة اليومية للمواطن، والأكثر التصاقاً بالمجتمع والأحياء والمؤسسات والمنشآت العامة، والأكثر حضوراً في التعامل مع الجريمة بمختلف أشكالها.
فهل من الضروري أن يمتلك الأمن العام إدارة استخبارات شرطية متخصصة؟
أعتقد أن المستجدات تقتضي دراسة هذا الاستحداث بجدية، على أن تكون إدارة استخبارات شرطية ذات طبيعة مختلفة عن الاستخبارات الوطنية والعسكرية، ومهمتها الأساسية تحويل المعلومات والمؤشرات المتفرقة إلى معرفة أمنية قابلة للاستخدام الميداني والوقائي.
وأقترح أن تتضمن مهامها المحاور التالية:
أولاً: الاستخبارات الرقمية والإنذار المبكر
تطوير قدرات متخصصة في تحليل المحتوى الرقمي العام، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في رصد التهديدات والتحريض الصريح على العنف والإرهاب، ومحاولات التجنيد والاستقطاب، والتهديدات الموجهة للأشخاص والمؤسسات ودور العبادة والمواقع العامة.
ولا يتعلق الأمر بمراقبة المواطنين لمجرد آرائهم أو معتقداتهم أو منشوراتهم، وإنما برصد المؤشرات الجدية المرتبطة بالتهديدات الفعلية، والتحقق منها وفق القانون، مع عدم الوصول إلى الاتصالات الخاصة أو البيانات المحمية إلا وفق الأذونات والإجراءات القانونية اللازمة.
ثانياً: الاستخبارات الوقائية وتحليل السلوك الجرمي
تطوير قدرات تحليلية تساعد على اكتشاف المؤشرات السابقة لبعض الجرائم الخطرة، من خلال دراسة المعلومات والبلاغات والأنماط المتكررة، وربط الوقائع ذات الصلة، وتحديد الحالات التي تستدعي تدخلاً وقائياً مبكراً.
ويشمل ذلك التهديدات الجدية بالقتل والاعتداء، ومؤشرات التخطيط لأعمال عنف، والأنشطة المرتبطة بالتجنيد الإرهابي أو التحضير لجرائم منظمة، دون اعتبار السلوك غير المألوف أو الاختلاف الفكري دليلاً على ارتكاب جريمة.
ثالثاً: استخبارات الجرائم المستحدثة والشبكات الإجرامية
تحليل أنماط الجرائم المنظمة والمتكررة، والروابط التي قد تجمع بين مرتكبيها، والاستفادة من قواعد المعلومات الجنائية والأدلة الرقمية، بما يساعد البحث الجنائي والإدارات المختصة على الانتقال من التعامل مع كل واقعة بمعزل عن الأخرى إلى فهم الشبكات والأنماط والارتباطات ذات الصلة.
رابعاً: استخبارات التهديدات المجتمعية والمكانية
تحليل المؤشرات والبلاغات والبيانات الجرمية المتاحة قانونياً على مستوى المناطق والأحياء والمواقع الحيوية، لتحديد بؤر المخاطر والأنماط المتغيرة، وتوجيه الانتشار الشرطي والموارد الوقائية وفق تقديرات موضوعية.
خامساً: استخبارات التهديدات العابرة للحدود
تعزيز التنسيق وتبادل المعلومات مع المؤسسات الوطنية المختصة والجهات النظيرة، في حدود الاختصاصات القانونية، بشأن التهديدات الرقمية والإجرامية والإرهابية التي قد تنطلق من خارج المملكة أو ترتبط بشبكات إقليمية ودولية.
سادساً: الذكاء الاصطناعي والربط المعلوماتي
تطوير منصة تحليل مركزية، وفق صلاحيات محددة، تستفيد من المعلومات المتاحة لدى الإدارات الشرطية المختلفة، وتساعد في اكتشاف الروابط والمؤشرات المشتركة، وإنتاج تنبيهات مبكرة وتقارير تحليلية تدعم القرار الشرطي.
وهنا تبرز أهمية بناء نموذج ذكاء اصطناعي يفهم اللغة العربية ولهجاتها والسياقات الاجتماعية المحلية، ويميز بين التعبير المشروع والتحريض الحقيقي على العنف، على أن تبقى مخرجاته أدوات مساعدة تخضع للمراجعة البشرية، ولا تتحول إلى أحكام آلية على الأفراد.
سابعاً: التكامل مع البحث الجنائي والأمن الوقائي
لا ينبغي أن تعمل الإدارة المقترحة بمعزل عن الإدارات القائمة، بل أن تكون حلقة تحليل وتنسيق واستشراف، ترفد إدارة البحث الجنائي بالمعلومات التحليلية التي تساعدها على كشف الجرائم، وتدعم الأمن الوقائي في تقييم المؤشرات والتهديدات ضمن اختصاصه، وتوفر للقيادة صورة أشمل عن المخاطر المحتملة.
ومن المهم التأكيد أن الإدارة المقترحة لا تحل محل أي من الإدارات القائمة، ولا تنتزع اختصاصاتها، وإنما تضيف قدرة مؤسسية متخصصة على الربط والتحليل والإنذار المبكر.
ثامناً: الحوكمة والضمانات القانونية
إن استحداث إدارة بهذا المستوى من الحساسية يتطلب تحديداً دقيقاً لصلاحياتها، وضوابط جمع المعلومات واستخدامها وتبادلها والاحتفاظ بها، وإخضاع إجراءات الوصول إلى البيانات الخاصة والاتصالات للأحكام القانونية والقضائية النافذة، مع وجود رقابة وتدقيق مستقلين على استخدام البيانات والخوارزميات.
فالأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بزيادة أدوات المراقبة، بل بكفاءة استخدامها ومشروعيتها ودقتها، وبحماية حقوق المواطنين وحرياتهم.
لماذا الآن؟
لأن طبيعة الجريمة تتغير، ولم يعد ضرورياً أن يكون مرتكب الجريمة معروفاً لدى الأجهزة الأمنية مسبقاً، أو أن تبدأ مؤشرات الخطر في الشارع؛ فقد تسبقها مراحل من التحريض والتواصل والاستقطاب والتخطيط في الفضاء الرقمي، وقد تتوزع المعلومات المتعلقة بها بين أكثر من جهة أو إدارة.
كما أن سرعة بعض الاعتداءات وخطورتها تفرضان تطوير أدوات قادرة على الربط السريع بين المعلومات المتاحة، وتحديد مستوى التهديد، وإيصال الإنذار إلى الجهة القادرة على التدخل في الوقت المناسب.
ولذلك، فإنني لا أدعو إلى إنشاء جهاز أمني موازٍ، أو توسيع غير منضبط للصلاحيات، وإنما إلى تطوير الهيكل التنظيمي للأمن العام بإضافة اختصاص استخباري شرطي واضح، يستفيد من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والموارد البشرية المؤهلة، ويعمل بتنسيق مؤسسي مع دائرة المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية وبقية الأجهزة المختصة.
ويمكن البدء بدراسة تنظيمية وفنية، ثم استحداث الإدارة تدريجياً، وتزويدها بكفاءات في تحليل المعلومات والجرائم الرقمية والذكاء الاصطناعي وعلم الجريمة، ووضع مؤشرات أداء تقيس قدرتها على اكتشاف التهديدات مبكراً، ودقة الإنذارات، وسرعة إحالة المعلومات، ومدى إسهامها في منع الجرائم.
إننا بحاجة إلى أن يكون الأمن العام قادراً ليس فقط على الوصول إلى مرتكب الجريمة بعد وقوعها، وإنما على امتلاك الأدوات التي تساعده على اكتشاف مقدماتها ومؤشراتها والتدخل لمنعها قبل أن تقع.
فكما أن البحث الجنائي يكشف الجريمة، والأمن الوقائي يتعامل مع التهديدات ضمن اختصاصه، فإن الاستخبارات الشرطية المقترحة يمكن أن تشكل حلقة متقدمة تربط المعلومات وتحللها وتستشرف المخاطر وتدعم القرار الوقائي.
والسؤال لم يعد متعلقاً بإضافة إدارة جديدة إلى الهيكل الإداري للأمن العام بقدر ما أصبح متعلقاً بمدى حاجتنا إلى تطوير قدرة شرطية استخبارية تواكب الجريمة الحديثة، وتحمي المجتمع، وتمنع وقوع الاعتداءات قبل أن يدفع المواطنون ثمنها.
الوقاية من الجريمة ليست أقل أهمية من كشفها، واستباق الخطر هو أحد أهم وجوه الأمن الحديث.















