من ذاكرة قلعة الكرك إلى امتحان اليوم.. حين يسقط رهان الإرهاب

أمل عواد المعايطة
حين يُستهدف الأردن في أمنه، وتُمسّ حرمة مكان للعبادة على أرضه، فإن الجريمة تتجاوز حدود فعلها المباشر لتضع الدولة والمجتمع أمام حقيقة لا تحتمل الالتباس: الإرهاب لا يريد ضحاياه فقط؛ يريد أن يترك خلفه خوفاً يتكاثر، وثقة تتصدع، ووطناً ينشغل بجراحه عن إدراك ما يُراد له. وهنا تبدأ المعركة الأعمق؛ معركة حماية الأردن من الإرهاب، ومن كل أثر يراد له أن يخلّفه في وعي أبنائه وعلاقاتهم.
والكرك، بما تمثله في الذاكرة الأردنية من شموخ وتضحية ومواقف صنعتها المحطات الصعبة، تعرف معنى أن يكون الوطن أكبر من محنة. وبعد عقد على أحداث القلعة الإرهابية، يأتي الاعتداء الجديد ليعيد إلى الواجهة سؤالاً لا يتعلق بقدرة الأردن على تجاوز الألم فحسب، بل بقدرته على تحويل التجربة إلى وعي أشد صلابة، ودولة أكثر يقظة، ومجتمع أكثر إدراكاً لما تتطلبه حماية وحدته.
عشر سنوات، ودماء الأردنيين تذكّرنا بأن الإرهاب لا يختار دائماً أهدافه بحثاً عن أكبر عدد من الضحايا؛ أحياناً يراهن على رمزية المكان، وعلى ما قد يثيره الاعتداء من صدمة وغضب. وحين يكون الهدف كنيسة، فإن المساس يتجاوز الأشخاص والمكان إلى قيمة أردنية أصيلة: أن يعيش المواطن إيمانه آمناً، وأن تكون المواطنة رابطة لا تنال منها الاختلافات الدينية، وأن يبقى القانون سقفاً يحمي الجميع بلا استثناء.
في هذا السياق، تأتي كلمات جلالة الملك عبدالله الثاني حاسمة في تحديد الموقف، حين أكد أن الأردن سيواجه العمل الإرهابي بأشد العقوبات، وقال: "ومن توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا». إنها رسالة دولة تعرف أن الحزم في مواجهة الجريمة لا ينفصل عن حماية المجتمع من تداعياتها، وأن الرد على الإرهاب لا يكتمل بالعقاب وحده، بل بإغلاق الطريق أمام كل محاولة لتحويل الألم إلى انقسام.
ويأتي موقف سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، بأن "رصاص الإرهاب الجبان لن ينال من الكرك وتاريخها المليء بالشرف والكرامة"، ليؤكد أن الكرك التي حملت صفحات من تاريخ الأردن، ستبقى أكبر من أن تختزلها يد غاشمة، وأرسخ من أن تنال منها جريمة.
إن التآخي بين المسلمين والمسيحيين في الأردن ليس مجاملة اجتماعية ولا صورة تُستحضر في المناسبات؛ إنه جزء من تاريخ الدولة وتكوين مجتمعها. والمسيحي الأردني شريك في الأرض والهوية والمصير، كما أن المسلم شريك في حماية هذا الإرث الوطني. وأي محاولة للمساس بهذا التعايش تصطدم بحقيقة أعمق من الجريمة: أن الأردن لم يُبنَ على تماثل أبنائه، بل على شراكتهم، وأن اختلافهم لم يكن يوماً مبرراً لانتقاص حق أي منهم في الأمن والكرامة.
لم ينجح الارهابيون في اختراق سماء الأردن، ولن تنجح محاولاتهم في اختراق حدوده أو النيل من أمنه واستقراره. فالأردن، بقيادته الهاشمية وجيشه العربي وأجهزته الأمنية، ثابت في مواجهة التحديات، عصيّ على محاولات العبث بسيادته. وصلابة الحدود تصبح أقوى بصلابة داخلية تحرسها: ثقة بالمؤسسات، وعدالة لا تتأخر، وإعلام مسؤول، ومواطن يدرك أن حماية الوحدة الوطنية تبدأ من رفض الشائعة، وتنتهي بالتمسك بحقوق الجميع.
ومهما اختلطت الدماء، فإن كرامة الدم الأردني واحدة؛ لا يرفعها دين، ولا ينتقص منها اختلاف. هنا تحديداً يخسر الإرهاب رهانه: حين يعجز عن تحويل الضحية إلى أداة فرقة، وحين يواجه مجتمعاً يصر على أن العدالة طريقه، والوحدة خياره، والإنسان قيمة لا تقبل التجزئة.
الكرك موجوعة، والأردن كله يحمل وجعها. لكن هذا الوطن الذي واجه المحن عبر تاريخه لا يحتاج إلى إنكار ألمه كي يثبت قوته؛ يحتاج إلى أن يحوّل الألم إلى مسؤولية، والذاكرة إلى مناعة وطنية.
قد تصل رصاصة الغدر إلى جسد، وقد تترك الجريمة جرحاً في قلب الوطن، لكنها لن ترسم حدود انتمائنا، ولن تختار نيابة عنا من نكون. فالأردن ليس أرضاً تجمعنا فحسب؛ إنه عهد بأن تبقى كرامة أبنائه واحدة، وأن تظل وحدته أقوى من كل يد تحاول تمزيقها.
















