+
أأ
-

د. محمد رسول الطراونة : المنسف والسمنة: براءة الطبق ومسؤولية من؟

{title}
بلكي الإخباري

في قلب النقاش المتصاعد حول صحة الأردنيين وأسباب ارتفاع معدلات السمنة، يطفو على السطح سؤال يمسّ صميم الهوية والتراث: ما دور المنسف، هذا الطبق الوطني،في هذه المعادلة الصحية المعقدة؟بين من يراه رمزاً للكرم يجب الحفاظ عليه بصرف النظر عن كل شيء، ومن يصفه بأنه"قنبلة سعرات حرارية" تساهم في الأزمة، يغيب التحليل المتوازن.

 

الحقيقة التي تظهر من قراءة موضوعية للبيانات والعادات هي أن المنسف بريء من التهمة المطلقة، ولكنه ليس بريئاً تماماً من المساهمة في المشكلة عندما يُسيء المجتمع استهلاكه. القضية الحقيقية هي تصادم بين تراث غذائي أصيل مُصمم لحياة نشطة، ونمط حياة عصري قائم على الخمول والإفراط.

براءة المنسف تقوم على المكونات والأصالة، وللفهم الصحيح، يجب العودة إلى أصل المنسف وقيمته الغذائية في صورته التقليدية. يتكون هذا الطبق من أربعة مكونات أساسية طبيعية وغير مصنعة: لحم الغنم: مصدر بروتيني عالي الجودة وغني بالحديد والزنك. لبن الجميد المُخمر: يوفر البروتين والكالسيوم، والأهم هو احتواؤه على بكتيريا البروبيوتيك النافعة التي تسهل هضم الوجبة الدسمة وتدعم صحة الأمعاء. الأرز: مصدر للطاقة من الكربوهيدرات المعقدة. المكسرات (كاللوز أو الصنوبر): تضيف دهوناً صحية ومعادن.

في ميزان التغذية، يشكل المنسف التقليدي وجبة متكاملة تجمع بين المجموعات الغذائية الرئيسية، لكن السر الصحي القديم لم يكن في المكونات فقط، بل في طريقة ونمط استهلاكها: كان المنسف يُقدم بعد عمل شاق أو جهد بدني كبير، وبكميات مُرضية ولكن ليست مُفرطة، وفي مناسبات خاصة متباعدة كعلامة على الكرم والاحتفاء، وليس كوجبة روتينية يومية أو أسبوعية. في هذا الإطار، لم يكن المنسف مشكلة صحية.

الخطيئة ليست في طبق المنسف، بل في تحريفه واختطافه، المشكلة الصحية المعاصرة تنبع من تحول المنسف من رمز تراثي إلى ضحية للتغيير في العادات والكميات والبيئة المحيطة، لقد تم تحريف عقيدته الأصلية بعدة طرق جعلت منه وجبة أثقل على الجسم، تحول مفهوم الكرم من "جودة الاستقبال" إلى"ضخامة الكمية".

سدر المنسف في المطاعم والولائم اليوم أصبح عملاقاً، يُقدم مع كميات هائلة من الأرز مُشبَعاً بالسمن، مما يدفن اللبن واللحم تحته ويدفع الفرد لاستهلاك سعرات حرارية تعادل احتياجات يوم كامل في وجبة واحدة، الخطيئة أيضا في اختلال توازن المكونات حيث زادت نسبة الأرز واللحم الدسم بشكل كبير على حساب لبن الجميد، الذي تقلص دوره من وسيط رئيسي ومُهضّم إلى مجرد (شراب) أو صلصة خفيفة، هذا الاختلال يحرم الجسم من فوائد التخمير ويزيد من الحمل على المعدة.

الأمر الآخر والهام هو السياق الزمني والاجتماعي المختل: يُقدم المنسف اليوم في أي وقت، غالباً مساءً، ويتبع مباشرة بفترات طويلة من الجلوس أو النوم، وهو عكس ما صُمم من أجله. كما أصبح يُقدم ضمن موائد تزاحمه بالمقبلات الدسمة والحلويات الثقيلة، مما يضاعف الحمل الحراري. ولا ننسى تراجع النشاط البدني المصاحب، اختفى النشاط البدني الذي كان سابقاً يسبق أو يلي هذه الوجبة الاحتفالية، فأصبحت الوجبة الثقيلة تلتقي بالجسم الخامل، وهي معادلة أكيدة لتخزين الدهون.

الظالم الحقيقي، بيئة غذائية سامة ونمط حياة سلبي، أما إلقاء اللوم على المنسف وحده فهو تضليل وتبرئة للمذنبين الحقيقيين في قصة السمنة الأردنية. المنسف، حتى في أسوأ حالاته الاستهلاكية الحديثة، يبقى وجبة متباعدة لدى معظم الأسر. الأعداء الحقيقيون هم: الغزو اليومي للطعام المصنع: الإدمان على الوجبات السريعة، والمشروبات الغازية والسكرية، والمسليات المالحة، والحلويات التجارية، والأطعمة فائقة المعالجة الغنية بالدهون المتحولة والسكريات المكررة. هذه الأطعمة تستهلك باستمرار وتشكل الأساس اليومي للكثير من الأنظمة الغذائية. ثقافة الخمول والتكنولوجيا حيث الانتقال من مجتمع نشط إلى مجتمع تستولي عليه الشاشات وتقل فيه الحركة حتى للمسافات القصيرة. افتقار المدن لمساحات آمنة للمشي واللعب يكرس هذا النمط. وكذلك السياسات الغذائية الضعيفة: عدم وجود تشريعات فعالة لتنظيم تسويق الأطعمة غير الصحية، خاصة للأطفال، أو لفرض ضرائب رادعة على المشروبات المحلاة.

لا بد من المصالحة الوطنية، كيف نحتفل بالمنسف دون أن نخون صحتنا؟ الحل ليس في هجر التراث، بل في إعادة اكتشاف حكمته والتوفيق بينها وبين متطلبات العصر. يمكن ذلك عبر: العودة إلى الاعتدال والأصالة من خلال تقديم المنسف في صحون شخصية مناسبة الحجم، مع إعادة اللبن إلى عرشه وزيادة كميته لتسهيل الهضم والشعور بالشبع، والاعتماد على لحم متوسط الدسم. وعبر تغيير ثقافة التقديم: ضرورة التحول من التباهي بكمية الأرز إلى التباهي بجودة اللحم وطعم اللبن الأصلي، تقديمه في وقت الغداء وليس العشاء، وتحويل ما بعده إلى نزهة عائلية على الأقدام بدلاً من القيلولة. تبرئة المنسف في الإعلام من خلال التوقف عن تصويره ككبش فداء، وتركيز جهود التوعية على المواد الغذائية المصنعة والاستهلاك اليومي غير الصحي الذي لا يقل عن خطورته ثقافياً، ولكنه أكثر ضرراً صحياً بسبب تكراره. علينا التمييز بين المناسبة والعادة: يجب الاحتفاء بالمنسف في المناسبات الحقيقية، لا أن نجعله حلاً سهلاً لأي وجبة جماعية.

خلاصة الكلام، المنسف ليس الظالم ولا المظلوم، بل هو مرآة، هو مرآة تعكس تغيرنا من مجتمع نشيط يعتد بتراثه إلى مجتمع استهلاكي يفرط في كل شيء: في الطعام، في الخمول، وفي إلقاء التهم على الرموز بدلاً من مراجعة السلوك. حماية المنسف هي حكاية حماية لهويتنا، ولكن حكاية حماية صحتنا تكمن في إصلاح نظامنا الغذائي اليومي بأكمله ونمط حياتنا. عندما نتعلم الاعتدال في منسفنا، سنكون أقرب إلى الاعتدال في كل خياراتنا الصحية.

أمين عام المجلس الصحي السابق