+
أأ
-

المحامي حكم الضمور يكتب : الوضع القانوني للضفة الغربية بين الاحتلال والضمّ: مقاربة في ضوء القانون الدولي

{title}
بلكي الإخباري

 

 

 

 

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس الأحداث فقط بما يجري على الأرض، بل بما تعنيه قانوناً للمستقبل. فالخرائط قد تُعدَّل بقرار سياسي، والوقائع قد تُفرض بقوة الأمر الواقع، لكن الشرعية لا تُستمدّ من القوة، بل من القانون. والضفة الغربية اليوم تقف في قلب هذا الاختبار: بين وضع قانوني مستقر في توصيفه الدولي بوصفه احتلالاً، ومحاولات لإعادة تعريفه عبر إجراءات تمهّد لضمّ أحادي الجانب.

ما يجري لا يمسّ جغرافيا فحسب، بل يمسّ مبدأً تأسس عليه النظام الدولي المعاصر: عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة. ومن هنا، فإن النقاش حول الضفة الغربية لم يعد سياسياً فقط، بل أصبح سؤالاً مباشراً حول مكانة القانون الدولي ذاته وحدود فعاليته.

أولاً: مبدأ عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة

يُعدّ مبدأ حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة من المبادئ الآمرة في القانون الدولي (Jus Cogens)، وقد كُرّس في ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما في المادة (2/4) التي تحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي.

كما أكدت قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالنزاع العربي–الإسرائيلي عدم مشروعية ضم الأراضي المحتلة عام 1967، واعتبار أي إجراءات تهدف إلى تغيير طابعها القانوني أو الديموغرافي باطلة ولاغية. وعليه، فإن أي إعلان ضمّ أحادي الجانب يصطدم مباشرةً بهذه القاعدة الآمرة.

ثانياً: أحكام القانون الدولي الإنساني

تنطبق على الضفة الغربية أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 باعتبارها إقليماً واقعاً تحت الاحتلال العسكري. ووفقاً للمادة (47) من الاتفاقية، لا يحرم السكان الواقعون تحت الاحتلال من حماية الاتفاقية بسبب أي تغيير يطرأ على مؤسسات الإقليم أو حكومته، ولا بسبب أي ضمّ تقوم به دولة الاحتلال.

بمعنى آخر، حتى في حال إعلان الضمّ، فإن ذلك لا ينشئ سيادة مشروعة قانوناً، ولا يُسقط صفة الاحتلال من منظور القانون الدولي.

كما تحظر المادة (49) من الاتفاقية نقل سكان الدولة المحتلة إلى الأراضي المحتلة أو إحداث تغييرات ديموغرافية فيها، وهو النص الذي يُستند إليه في توصيف الأنشطة الاستيطانية باعتبارها مخالفة لأحكام القانون الدولي الإنساني.

ثالثاً: تغيير البنية القانونية والإدارية للإقليم

يلزم القانون الدولي الإنساني دولة الاحتلال باحترام القوانين السارية في الإقليم المحتل ما لم تُمنع منعاً مطلقاً من تطبيقها. وبالتالي، فإن إلغاء أو تعديل المنظومة القانونية الناظمة للأراضي والملكية العقارية يثير تساؤلات جدية حول مدى اتساق هذه الإجراءات مع الالتزامات الدولية الواجبة الاحترام.

تغيير الإطار القانوني المحلي ليس مسألة تنظيم إداري فحسب، بل قد يُفهم في سياق أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع القانوني تمهيداً لتكريس وضع دائم.

رابعاً: مبدأ عدم الاعتراف بالوضع غير المشروع

استقرّ الفقه والقضاء الدوليان على مبدأ عدم الاعتراف بالأوضاع الناشئة عن خرق جسيم لقواعد آمرة في القانون الدولي. وبموجب هذا المبدأ، لا يجوز للدول الاعتراف بشرعية الضمّ، ولا تقديم العون أو الدعم الذي يُسهم في تثبيت نتائجه.

هذا المبدأ لا يقتصر على البعد السياسي، بل يُشكّل التزاماً قانونياً يقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره.

خامساً: التداعيات الإقليمية

أي تغيير جذري في الوضع القانوني للضفة الغربية لن يكون حدثاً محلياً فحسب، بل ستكون له انعكاسات إقليمية مباشرة، لا سيما على الأردن بحكم الارتباطات القانونية والتاريخية القائمة، والدور المعترف به دولياً في رعاية المقدسات في القدس، إضافة إلى التشابك الديموغرافي والسياسي.

ومن ثمّ، فإن مسألة الضمّ – إن طُرحت بصورتها العملية – تمسّ توازنات إقليمية دقيقة، وتتجاوز إطار النزاع الثنائي التقليدي.

خاتمة

الضمّ، من منظور القانون الدولي، لا ينشئ مشروعية لمجرد صدوره بإرادة أحادية. فالقواعد الآمرة لا تسقط بالتقادم، والحقوق لا تُمحى بتغيير الوقائع المادية.

غير أن وضوح النصوص لا يكفي وحده؛ إذ يبقى تفعيلها رهناً بإرادة سياسية دولية قادرة على تحويل القاعدة القانونية إلى واقع مُلزِم.

الضفة الغربية اليوم ليست فقط ساحة نزاع سياسي، بل ميدان اختبار لمدى صلابة النظام القانوني الدولي. فإما أن تبقى قواعده معياراً للشرعية، أو تتحول إلى نصوص بلا قوة ردع.