مأزق الاستدامة، وفجوة الثقة؛ قراءة في تعديلات قانون الضمان الاجتماعي*

*م. معاذ المبيضين*
تُعد مؤسسة الضمان الاجتماعي صمام الأمان الأخير للعقد الاجتماعي في الدولة، فهي ليست مجرد صندوق سيادي لإدارة الاشتراكات، بل هي تجسيد لمفهوم الطمأنينة المستقبلية للفرد تجاه الدولة والمجتمع. إلا أن التعديلات الأخيرة المقترحة على القانون تثير تساؤلات جوهرية تتجاوز الحسابات الإكتوارية الجافة، لتصل إلى صلب فلسفة الحماية الاجتماعية ومدى مواءمتها للواقع الديموغرافي والاقتصادي الأردني.
إن التوجه نحو رفع سن التقاعد إلى 65 عاماً يضعنا أمام مفارقة إحصائية واجتماعية مقلقة. فإذا كان متوسط العمر المتوقع للأردنيين يقارب 74 عاماً، فإن تقليص الفجوة بين سن التقاعد ومتوسط العمر الافتراضي يجعل من "جدوى" الاشتراك في الضمان الاجتماعي موضع تساؤل لدى القوى العاملة. ومن منظور الأنظمة التقاعدية، يؤدي هذا الضغط على سقف التقاعد إلى "عزوف عقلاني"؛ حيث سيبحث المكلفون عن بدائل خارج المظلة الرسمية، مما يعزز الهجرة نحو شركات التأمين الخاصة أو الاستثمارات الفردية. هذا التحول لا يضعف السيولة في صندوق الضمان فحسب، بل سيؤدي إلى توسع ظاهرة التهرب التأميني، مما يحول الضمان من مظلة جامعة إلى نظام قسري يحاول الأفراد الالتفاف عليه بدلاً من الاحتماء به.
ترتبط فعالية أي نظام تأميني بتراكمية الاشتراك وثباته. ومع تحديد حد أدنى يبلغ 240 اشتراكاً (20 عاماً) للتقاعد، بالتوازي مع رفع السن، فإننا نخلق حافزاً عكسياً للشباب والشرائح العمرية دون الخامسة والثلاثين.
فالمنطق الحسابي الجديد قد يدفع الكثيرين لتأجيل الاشتراك الاختياري، أو حتى إيقاف الاشتراكات الحالية، والعودة للمظلة فقط عندما تتقاطع سنوات الخدمة المطلوبة مع سن التقاعد الوشيك. هذا السلوك الانتظاري سيفرغ الضمان من تدفقاته النقدية في سنوات الحيوية الإنتاجية، ويخلق اختلالاً في ميزان التكافل الذي يقوم عليه الضمان، حيث تصبح العلاقة مع المؤسسة علاقة نفعية لحظية وليست شراكة استراتيجية طويلة الأمد.
من اللافت في المقترحات الحالية بقاء مسألة التقاعد العسكري في منطقة الظل، رغم ترابط المسارات التأمينية في الدولة. فإذا كان التوجه العام يسير نحو اشتراط 360 اشتراكاً (30 عاماً) كحد أدنى لتحقيق التوازن المالي، فإن التساؤل يفرض نفسه: هل سيتم إلزام الخدمة العسكرية بمدد زمنية مماثلة لتتوافق مع هذه المعايير؟
إن إغفال هذا الجانب في الطرح الحالي يشير إلى غياب الرؤية الشمولية في توحيد المرجعيات، وهو ما قد يؤدي إلى تشوهات في العدالة التوزيعية بين القطاعات، ويزيد من تعقيد المشهد أمام صانع القرار في المستقبل عند محاولة معالجة العجز الإكتواري الكلي للدولة.
إن إصلاح أنظمة الضمان الاجتماعي لا يمكن أن يستقيم بالاعتماد فقط على الجداول الحسابية دون النظر إلى العوامل السلوكية والاجتماعية. فالأزمة ليست في طول أو قصر سنوات العمل، بل في مدى ثقة المواطن بأن هذا النظام قادر على توفير حياة كريمة في خريف العمر دون أن يستنزف ربيع اشتراكاته في معادلات لا تراعي الواقع المعيشي.


















