+
أأ
-

عمر شاهين يكتب :الرسائل الملكية الثلاث في الزرقاء

{title}
بلكي الإخباري

 

 

للرسائل الملكية في الزرقاء مكانة كبيرة سياسيًا وخدميًا ووجدانيًا، ومع كل زيارة تبقى راسخة في ذهني. فما يقدمه الملك لا نحصل عليه من الحكومات، ولم يأتِ مجلس النواب بما يعدنا به في مهرجاناته الانتخابية، أو بما نسمعه في كلمات مناقشة الموازنة دون نتائج حقيقية.

فمن الزرقاء جاءت دومًا منح خدمية طال انتظارها، ورسائل سياسية مهمة، وأقف هنا أمام ثلاث زيارات أراها الأبرز.

الأولى

كانت في أخطر مراحل الربيع العربي عام 2013، حين قال جلالة الملك خلال لقائه شخصيات من الزرقاء في منزل معالي محمد بشير الشيشاني:

“الأمن محفوظ في الأردن، لا تخافوا.”

في تلك الفترة الحساسة أمنيًا، كانت الدول المحيطة تشتعل بالحروب الأهلية، وتنتشر الجماعات المتطرفة، فيما كان الخوف يحيط بنا، ونخشى تسرب الفوضى إلى الداخل الأردني، مع اتساع المسيرات وارتفاع سقف الشعارات الداخلية. فجاء كلام جلالة الملك ليبث الثقة بأن الأردن أمنيًا بخير، وأن الأمور تحت السيطرة.

وأذكر أنني يومها اتصلت بأكثر من شخص كان حاضرًا في اللقاء، وكان سؤالي الوحيد: ماذا قال الملك عن الأوضاع؟ لأن الناس كانت تبحث عن الطمأنينة وسط القلق.

ولم ينسَ جلالته مكارمه، فحين طُرحت احتياجات بلدية الزرقاء، سأل: "ماذا أستطيع أن أقدم؟" ويُقال إن محمد هشام البوريني طلب عددًا من الضاغطات، فكان رد الملك التبرع بأسطول ما يزال يعمل في بلدية الزرقاء حتى كتابة هذه السطور.

فهذه هي طريقة عمل الملك دومًا؛ الابتعاد عن كثرة الشكوى والطلبات، والبحث عمّا يمكن تقديمه فورًا.

أما الزيارة الثانية

فكانت عام 2019، وسط تصاعد الحديث عربيًا عن الاتفاق الإبراهيمي والتطبيع والقدس، فأطلق جلالة الملك لاءاته الثلاث:

لا للتهجير،

ولا للتوطين،

ولا للمساس بالوصاية الهاشمية على القدس.

وما تزال تلك الـ«لا» ثابتة حتى اليوم. ولم تكن الزيارة مجرد رسائل سياسية، بل رافقها عمل ميداني ومشاريع خدمية مباشرة.

أما الزيارة الأخيرة في أيار 2025، فقد بدا فيها جلالة الملك مرتاحًا نفسيًا وأمنيًا، فتحدث عن الاقتصاد والخدمات، وكأنه يقول إن بقية الملفات بخير. كما ركّز على القطاعات الصناعية والخدمية الحديثة، خاصة المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب افتتاح حديقة ومكتبة شومان، التي أصبحت معلمًا ثقافيًا جميلًا في الزرقاء.

وأجمل ما في زيارات الملك هو الواقعية.

فقد تابعت حديث جلالة الملك في الزرقاء دومًا، وفي زيارته الأخيرة قدّم دعمًا معقولًا يتناسب مع إمكانيات الدولة الحالية؛ من تطوير وزيادة خمسين صفًا مدرسيًا، إلى مركز صحي شامل، إلى تطوير قطاع النقل، وهو أحد أكبر مشاكل محافظة الزرقاء.

ويبدو واضحًا أن الملك يعرف الزرقاء ومعاناتها جيدًا، وقد تحدث عنها مطولًا في كتابه «فرصتنا الأخيرة». فهو يدرك حاجتها إلى المدارس والمستشفيات والبنية التحتية، لكنه يطرح ما يمكن تنفيذه ضمن القدرة المالية الحالية للدولة، مع تركيزه على المنطقة الصناعية، واليد العاملة، والاستثمار الوطني المواكب للتكنولوجيا الحديثة.

وفي المقابل، نجد أن بعض المطالب التي يطرحها النواب أو المتحدثون باسم المحافظة تكون مشتتة ومتضخمة، إلى درجة تعيق المسؤول عن معرفة الأولويات أو نقطة البداية. بينما ينظر الملك إلى الإمكانيات المتاحة، ثم إلى القطاع الأكثر حاجة، وما يمكن البدء بتنفيذه فورًا.

ولا خلاف أن أكثر من يُستمع إليه في الأردن هو جلالة الملك، بوصفه قائد السلطات، والمطّلع على المشهدين الداخلي والخارجي، من خلال لقاءاته بقيادات العالم، وإشرافه على المؤسسات التنفيذية والأمنية، واطلاعه على نتائج وتقارير الدولة؛ لذلك تأتي رسائله شاملة، وتعكس معرفة دقيقة بموقع الأردن وتحدياته.

وفي مدينتي الزرقاء، تلك المدينة المتعبة والصابرة، المليئة بشركات الطاقة التي حملت عبء كهرباء الوطن وبتروله، وعانى أهلها من التلوث والبنية التحتية المرهقة وغياب المسؤولين، بقيت المدينة كما عرفتها طوال 48 عامًا من عمري؛ مدينة تعيش بانسجام خاص، بخليط سكاني متجانس، بعيدة عن الصالونات الحكومية والمناصب والمكاسب الحزبية.

ونادرًا ما تزورها الشخصيات القادمة من عمّان، إلا في مواسم الانتخابات. وما تزال شوارعها تحمل آثار الإهمال الذي يستهلك السيارات ويقصر أعمارها، ومدارسها مكتظة حتى تجاوز عدد الطلبة في بعض الصفوف الأربعين، وبلدياتها مثقلة بالديون.

ومع ذلك، يعيش أغلب أهلها بقناعة وبساطة، محافظين على العادات والتقاليد واللباس المحتشم. ورغم الفقر، تبقى الزرقاء محافظة مستقرة أمنيًا، بعيدة عن الفوضى والصدامات.

حتى نوابها غالبًا شخصيات بسيطة خرجت من رحم الشارع، يعتذرون بخجل عن عدم قدرتهم على تحقيق طموحات الناس.

أهل الزرقاء يتحملون عثرات الزمن بصبر، لكن هذه المدينة تحتاج فعلًا إلى حضور حكومي دائم، يواكب الزيادة السكانية والتوسع العمراني، ويطوّر الخدمات والبنية التحتية، كما تحتاج إلى تمثيل برلماني مختلف، أكثر قدرة على الإنجاز والتأثير.