م. معاذ المبيضين يكتب :- حوكمة الاعتراض: حين يصبح الاحتجاج على القرار أثقل من القرار نفسه

في كل منظومة إدارية، لا تقاس عدالة القرار بمضمونه وحده، بل بقدرة المتضرر منه على مراجعته. فالقرار الإداري - مهما بلغت دقته - يبقى عُرضة للخطأ، ومن هنا وجدت آليات التظلم والاعتراض بوصفها صمام أمان يعيد التوازن بين سلطة الدولة في الضبط، وحق المواطن في الإنصاف. غير أن ما يجري في كثير من تفاصيل علاقتنا اليومية بالإدارة العامة في الأردن يكشف عن خللٍ بنيوي لا يكمن في القرار ذاته، بل في غياب المسار الذي يفترض أن يتيح الطعن فيه. فحين تملك الجهة الحكومية سلطة فرض المخالفة والغرامة والاقتطاع، وتغيب في المقابل آلية ميسّرة لمراجعة هذا الفعل، نكون أمام معادلةٍ مختلة: سلط تُمارس بسهولة، واعتراض يُمارس بصعوبة.
تتسم الكثير من القرارات ذات الأثر المالي المباشر - من المخالفات المرورية إلى الغرامات والاقتطاعات الإدارية - بأنها تُتّخذ من طرف واحد، دون أن يسبقها حوار أو يتاح بعدها مسار واضح للمراجعة. فالجهة التي تصدر القرار هي نفسها التي تقدره، وتنفذه، وتفصل غالبا في الاعتراض عليه. وهنا تتركّز الوظائف الثلاث - الاتهام والحكم والتنفيذ - في يد واحدة، وهو ما يتناقض مع المبدأ الجوهري في أي حوكمة رشيدة: الفصل بين من يقرر ومن يراجع. إن غياب هذا الفصل لا يجعل القرار ظالما بالضرورة، لكنه يجعله غير قابل للتدقيق، ويحوّل افتراض الصواب إلى قاعدة مطلقة، بدلا من أن يكون فرضية قابلة للاختبار.
حتى حين توجد آليات اعتراض من حيث المبدأ، فإنها غالبًا ما تكون مبعثرة، غامضة المعالم، ومثقلة بإجراءات تستنزف الوقت والجهد والكلفة. فالمواطن الذي يرى نفسه متضررًا من قرار ما لا يجد أمامه باباً واضحاً يطرقه، بل متاهة من المراجعات والمخاطبات التي تفترض فيه معرفة قانونية وقدرةً على المتابعة قد لا يملكها. وهكذا يتحول الاعتراض - وهو حق أصيل - إلى عبء إضافي يثقل كاهل المتضرر، حتى يجد كثيرون أن تحمل الغرامة أهون من تكلفة الطعن فيها. وهذه المعادلة في جوهرها انتقاص من العدالة، لأنها تجعل الإنصاف امتيازًا لمن يملك الوقت والمعرفة والموارد، لا حقًّا مكفولًا للجميع.
لا يبقى أثر هذا الخلل محصورًا في الحالة الفردية. فحين يتكرر شعور المواطن بأن القرار يفرض عليه دون أن يملك أداة فعالة لمراجعته، يتراكم إحساس بالعجز يتحول تدريجيًا إلى غضب مكتوم تجاه المؤسسة العامة بأكملها. والغضب الذي لا يجد قنوات نظامية لتصريفه لا يتبدد، بل يتحول إلى رصيد سلبي في علاقة المواطن بالدولة، ويضعف الثقة التي تمثل العمود الفقري للاستقرار المجتمعي. فالأمن المجتمعي لا تهدده القرارات الصارمة بقدر ما يهدده الشعور بانسداد أبواب الإنصاف؛ فالمواطن الذي يثق بأن له مسارًا عادلًا لرد الظلم يبقى ضمن منظومة الدولة، أما من يفقد هذه الثقة فيبدأ بالبحث عن بدائل خارجها.
إن جودة أي منظومة حكم لا تتجلى في قدرتها على إصدار القرارات، بل في استعدادها لمراجعة نفسها. فحوكمة الاعتراض ليست ترفًا إجرائيًا، بل هي اعتراف مؤسسي بأن الخطأ وارد، وأن تصحيحه جزء من شرعية الفعل الإداري لا انتقاص منه. والمؤسسة التي تُيسّر على المواطن الطعن في قراراتها لا تضعف هيبتها، بل ترسخها، لأنها تُحول العلاقة من علاقة سلطة وخضوع إلى علاقة مساءلة متبادلة. وهنا يصبح السؤال الأعمق: هل نقيس أداء أجهزتنا بعدد القرارات التي تصدرها، أم بعدالة المسارات التي تتيحها لمراجعة تلك القرارات؟
إن إعادة التفكير في حوكمة الاعتراض ليست مسألةً تقنية تتعلّق بتبسيط نموذج أو اختصار إجراء، بل هي إعادة تعريفٍ للعلاقة بين الدولة ومواطنها على أساس من التوازن والثقة. فالقرار الذي يمكن مراجعته هو وحده القرار الذي يستحق أن يحترم، والسلطة التي تقبل أن تُساءل هي وحدها السلطة التي تكتسب شرعيتها من رضا الناس لا من قدرتها على فرض الأمر الواقع. وربما يكون المدخل الأصدق لقياس نضج أي إدارة عامة هو أن نسأل: كم يكلّف المواطن أن يقول "لا" لقرار يراه ظالمًا؟


















