إنتاج الملح في الأرزق.. حِرفة حاضرة في الذاكرة رغم الغياب

لم تنجح محاولات عقدين من الزمن لإعادة حرفة إنتاج الملح إلى الأزرق، ورغم غياب هذا التقاليد الذي امتهنه الأهالي ستة عقود، إلا أنه تحوّل إلى موروث اجتماعي اقتصادي حاضر في ذاكرة الأزرق وتاريخها.
فمنذ أربعينيات القرن الماضي وحتى بداية العقد الأول من هذا القرن، كانت مواسم الملح في الأزرق وتكريره بالطرق اليدوية، أوقاتا حصرية للمناسبات الاجتماعية، فتعبئة الملح في "قاع الملّاحات"، كان الوقت المناسب لعائلات الأزرق لتنظيم أفراحهم ومناسباتهم ودفع تكاليف المعيشة من حرفةٍ تتوق لها الأيدي العاملة حتى اليوم، لكنها ذهبت في طي النسيان والذكريات.
ويستذكر رئيس جمعية الأزرق للتنمية الاجتماعية طلال العفير، صورة الملاحات البيضاء التي كانت مصدرا للتنمية في الأزرق، بل يستذكر الملح ليس بصفته مصدر دخل فقط بل بصفته منتجاً محلياً تم اختراع صناعته بدائيا وكان علامة تجارية خاصة بالأزرق قبل أن يلوذ بالغياب.
وعن طريقة إنتاجه، يقول العفير لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، كان الأهالي يحفرون أباراً تتراوح أعماقها بين 5 إلى 10 أمتار، ثم يأخذون الماء المالح منها إلى برك يصنعونها بأيديهم ويستخدمون فيها الطين والمداحل، وبعد ذلك يضعون الماء فيها لمدة شهرين حتى تمتلئ ويتركونها في فصل الصيف حتى تجف فتتحوّل إلى ملح يتم تعبئته ونقله إلى السوق الأردني والعراقي.
وشهدت صناعة الملح تطوراً في ثمانينيات القرن الماضي قائلاً : "لا يوجد آنذاك عائلة فقيرة في الأزرق بفعل عمل جميع الناس بهذه الحرفة، وقامت جمعية الأزرق التعاونية بإنشاء مصنع لتكرير الملح عام 1987 وكان ينتج نحو 40 ألف طن سنوياً ويوفّر مئات فرص العمل ويدعم اقتصاد المنطقة"، بحسب العفير.
وأضاف: "لكن المصنع توقّف عن العمل عام 2003، بعدما تم إنشاء مصانع ملح في أماكن أخرى استحوذت على السوق وأصبحت المنافسة غير متكافئة، مؤكداً أنه كان بالإمكان ربط مصنع الأزرق بالمصانع الجديدة لتعمل جميعاً دون ضرر أو كان بالإمكان توزيع الأسواق الداخلية والخارجية بينها لتبقى تعمل دون أن يؤثر أحدهما على الآخر.
وصناعة الملح في الأزرق موروث ثقافي كما يصفه مدير مهرجان الأزرق الدولي للثقافة والفنون شكيب الشومري، مشيراً إلى أن ذاكرة الأجيال الحالية في منطقة الأزرق تحتفظ بسير وحكايا سمعوها من الآباء والأجداد في صناعة الملح الذي يُنتج من الماء؛ إذ إن الملح الذي يُنتج من الماء هو من أنقى أنواع الملح وهكذا كان ملح الأزرق، كما يقول الشومري.
وأضاف: "في ذاكرة الملح بالأزرق، كانت صناعته ترتبط بجميع تفاصيل الحياة، ففي شهر أيار من كل عام يرحل أهل قرية الأزرق إلى قاع الملاحات حتى شهر أيلول؛ للعمل وجني الملح".
وأوضح الشمري أن صناعة الملح كانت تحقّق توازناً بيئياً؛ ففي الأزرق حوض ماء عذب وفوقه حوض ماء مالح، وعملية استخراج الماء لصناعة الملح كانت تحمي الحوض العذب من الملوحة، مشيراً إلى أن منطقة الملاحات هي اليوم جزءاً من محمية الأزرق المائية وتابعة للجمعية الملكية لحماية الطبيعة .















