ألف يوم من الصمود في غزة: ملحمة إنسانية تحت الأنقاض

تتواصل معاناة سكان غزة في واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية تدميرا في العصر الحديث. حيث لا تقتصر آثار الحرب على البشر، بل تشمل الحجر والشجر والذاكرة. وهذا في إطار محاولة الاحتلال تغيير وجه القطاع الذي يضم أكثر من مليوني فلسطيني.
في غزة، لم يعد السؤال عن عدد الأيام التي مرت، بل يُطرح عن عدد الأرواح التي غابت، والمنازل التي اختفت، والأطفال الذين حرمتهم الحرب من طفولتهم. ورغم كل ذلك، تواصل الأمهات البحث عن أثر لأبنائهن بين الأنقاض.
تشير المعطيات الرسمية إلى أن عدد القتلى تجاوز 73 ألف فلسطيني، بينهم أكثر من 21 ألف طفل و12 ألف امرأة. كما أصيب عشرات الآلاف، ولا يزال العديد في عداد المفقودين، الكثير منهم يرقدون تحت ركام المباني التي تحولت إلى مقابر جماعية.
دمار شامل في غزة
لم يكن الإنسان وحده هدفا للحرب، إذ تؤكد أحدث تقديرات الأمم المتحدة أن 81% من مباني قطاع غزة تعرضت للتدمير أو لأضرار متفاوتة. حيث دمر أكثر من 123 ألف مبنى بالكامل، وتضررت 92% من الوحدات السكنية، مما يجعل العثور على منزل صالح للسكن أمرا نادرا في قطاع يعيش فيه نحو 2.4 مليون إنسان.
تراكم فوق الأرض حوالي 68 مليون طن من الركام، وهي كمية تقول الأمم المتحدة إن إزالتها قد تستغرق أكثر من عقدين. ويعكس هذا المشهد حجم الدمار الذي لم يشهده القطاع في تاريخه الحديث.
علاوة على ذلك، تعرضت المستشفيات والمدارس والجامعات وشبكات المياه والكهرباء والطرق لأضرار بدرجات متفاوتة. كما تضررت 75% من الأراضي الزراعية، مما حول غزة من أرض كانت تنتج غذاءها إلى منطقة تعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية.
حياة تحت الركام
على مدار ألف يوم، لم يعد النزوح حدثا استثنائيا، بل أصبح أسلوب حياة فرضته الحرب على معظم سكان القطاع. حيث اضطرت العائلات التي غادرت منازلها مرة إلى النزوح مرات عديدة، حاملة ما تبقى من مقتنياتها بحثا عن مكان أكثر أمانا.
في مراكز الإيواء، لا توجد غرف أو أسرة، بل خيام متلاصقة ووجوه منهكة تنتظر الفرج. الأطفال يحاولون اللعب فوق الرمال وبين الأنقاض، وكأنهم يرفضون الاعتراف بأن طفولتهم سُرقت منهم.
في ظل نقص الغذاء والمياه والدواء، تحولت لقمة الخبز إلى حلم يومي، بينما بات الحصول على كوب ماء نظيف إنجازا. وأصبحت المستشفيات عاجزة عن استقبال الأعداد المتزايدة من الجرحى والمرضى بعد خروج معظمها عن الخدمة.
إرادة الحياة
رغم كل هذا الدمار، فإن أكثر ما أدهش العالم لم يكن حجم الدمار، بل قدرة الفلسطينيين على مواصلة الحياة. في غزة، لا يحتاج الزائر إلى وقت طويل ليستمع إلى العبارة التي أصبحت جزءا من تفاصيل الحياة اليومية: "الحمد لله".
يقولها الأب الذي فقد أبناءه، وترددها الأم أثناء إعداد وجبة بسيطة من العدس أو الخبز اليابس لأطفالها. وينطق بها المسعف الذي خرج لتوه من بين الأنقاض، ويهمس بها الطفل الذي نجا بينما فقد عائلته.
لم تعد هذه العبارة مجرد تعبير ديني، بل أصبحت فلسفة حياة ووسيلة لمواجهة واقع يفوق قدرة البشر على الاحتمال.
الصبر كوسيلة مقاومة
على مدى ألف يوم، راهنت الحرب على أن الجوع سيكسر الناس، وأن النزوح سيدفعهم إلى الرحيل، وأن الخوف سيتسبب في التخلي عن الأرض. لكن ما حدث كان مختلفا.
رغم الدمار غير المسبوق، بقي معظم سكان غزة داخل القطاع، ينتقلون من حي إلى آخر، ومن مدرسة إلى خيمة، رافضين مغادرة أرضهم. وأصبح "الصبر" عنوانا لحياتهم اليومية؛ صبر على فقد الأحبة، وصبر على الجوع والعطش، وصبر على انتظار المساعدات.
هذا الصبر لم يكن استسلاما، بل شكلا من أشكال المقاومة المدنية، وإعلانا بأن البقاء في الأرض هو بحد ذاته موقف ورسالة.
جيل من الأطفال في ظل الحرب
في المقابل، ولد آلاف الأطفال خلال هذه الحرب، ولم يعرفوا من العالم سوى الخيام وصفوف انتظار المياه وأصوات الطائرات. ويواجه مئات الآلاف حرمانا من التعليم بعد تدمير مدارسهم أو تحويلها إلى مراكز إيواء.
باتت الطفولة في غزة مرادفا للخوف والحرمان، بينما تحذر المنظمات الدولية من آثار نفسية قد تلازم جيلا كاملا لسنوات طويلة.
بعد مرور ألف يوم، تقف غزة شاهدة على واحدة من أكثر الحروب دموية وتدميرا في القرن الحادي والعشرين. مدن بكاملها سويت بالأرض، وملايين الأطنان من الركام تغطي المكان، لكن شيئا واحدا بقي عصيا على الانكسار.
الإنسان الفلسطيني وأمل البقاء
إنه الإنسان الفلسطيني، الذي يقف فوق أنقاض منزله، ينظر إلى السماء، ويقول بهدوء: "الحمد لله". ثم يبدأ من جديد في نصب خيمة أو إزالة حجر أو البحث عن ماء أو مواساة طفل.
يعلن بذلك للعالم أن الحرب، مهما بلغت قسوتها، قد تدمر المدن، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تهزم إرادة شعب آمن بأن الصبر ليس مجرد فضيلة، بل طريق للبقاء وأن التمسك بالأرض هو آخر ما يمكن التفريط به.



















