+
أأ
-

الجنرال كشف أن لا أحد يقرأ التقارير الرسمية لافارج مثلا

{title}
بلكي الإخباري

 

الكاتب: حازم العكروش

ما أثاره "الجنرال" خلال الأيام الماضية لم يكشف أسرارًا خفية، ولم يأتِ بوثائق مجهولة أو ملفات هبطت من السماء. ما فعله ببساطة هو إعادة فتح ملفات رسمية موجودة في مؤسسات الدولة منذ سنوات، وقرأ ما تجاهله كثيرون، ثم أعاد عرضه أمام الرأي العام.

وهنا تكمن المفارقة.

فالقضية ليست فيما نشره الجنرال، بل في السؤال الذي فرضه على الجميع: هل تقرأ الحكومات والجهات المعنية التقارير الرقابية التي تصدرها مؤسسات الدولة، أم أن دورها ينتهي عند الاحتفال بتسلمها والتقاط الصور التذكارية؟

في كل عام، تصدر مؤسسات الدولة عشرات التقارير الرقابية التي توثق مخالفات وتجاوزات وتوصيات تستوجب المساءلة والإصلاح. وفي مقدمة هذه التقارير يأتي تقرير ديوان المحاسبة، إلى جانب تقارير هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، والمجلس القضائي، وغيرها من المؤسسات الرقابية.

وتتكرر المشاهد ذاتها عامًا بعد عام؛ مراسم رسمية، تصريحات عن الشفافية وسيادة القانون، وتغطيات إعلامية واسعة لعمليات تسليم التقارير إلى مجلس الأمة والحكومة. ثم... ينتهي كل شيء. تدخل التقارير الأدراج، وتغيب المتابعة، ويختفي النقاش، وكأن ما ورد فيها لم يُكتب أصلًا.

ولو كانت تلك التقارير تُقرأ بجدية، وتُنفذ توصياتها، لما احتاج الأردنيون إلى "جنرال" أو غيره ليعيد فتح الملفات، لأن الدولة كانت ستقوم بهذا الدور بنفسها.

ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما جرى مع تقرير اللجنة الملكية لتقييم عمليات التخاصية، التي شُكلت بتوجيه من جلالة الملك وترأسها الدكتور عمر الرزاز. يومها احتفلت حكومة الدكتور عبدالله النسور بإعلان التقرير في المركز الثقافي الملكي، وقدمت الحدث باعتباره محطة وطنية مهمة في ترسيخ الشفافية والمساءلة.

لكن ماذا حدث بعد الاحتفال؟

تضمن التقرير ملاحظات وانتقادات تتعلق بعملية بيع شركة مصانع الإسمنت الأردنية إلى شركة لافارج، وهي القضية التي شغلت الرأي العام لسنوات. ومع ذلك، يرى كثيرون أن ما ورد في التقرير لم يتحول إلى برنامج عمل حقيقي يعالج الاختلالات التي أشار إليها، ولم يُستثمر بوصفه خارطة طريق للإصلاح والمحاسبة.

وبعد ذلك استمرت القضية في المحاكم، وتزامنت مع صدور قانون الإعسار، ثم شهدت الشركة تطورات متلاحقة، كان من بينها تولي الدكتور جواد العناني رئاسة مجلس إدارة لافارج في مرحلة لاحقة اي بعد خروجه من مجلس الوزراء ، قبل أن تبيع الشركة أجزاءً من أراضيها، ثم تنتقل حصتها إلى شركة زياد المناصير.

ورغم تغير المالك، فإن كثيرًا من أبناء الفحيص والمناطق المتأثرة يرون أن جوهر المشكلة بقي كما هو؛ إذ ما تزال ملفات إعادة تأهيل مناطق التعدين، ودراسات الأثر البيئي، والالتزامات المجتمعية، موضع مطالبات ونقاش مستمر، بينما تبقى الأولوية – في نظرهم – لتعظيم الأرباح أكثر من معالجة الآثار البيئية والاجتماعية المتراكمة.

وبالنسبة لأهالي الفحيص، فإنهم يشعرون بأنهم خرجوا من تجربة لافارج ليدخلوا تجربة أخرى قد تكون اكثر سوء @highlight لم تحقق حتى الآن ما كانوا يأملونه من إنصاف للإنسان والبيئة والمجتمع المحلي.

لقد أثبتت هذه القضية، وغيرها من القضايا، أن المشكلة في الأردن ليست نقصًا في المعلومات، ولا غيابًا للوثائق، ولا ضعفًا في الأجهزة الرقابية. المشكلة الحقيقية تكمن في الفجوة بين توثيق المخالفات واتخاذ القرار، وبين إصدار التقارير وتنفيذ توصياتها.

ولهذا، فإن ما فعله الجنرال لم يكن كشفًا للفساد بقدر ما كان كشفًا لخلل أعمق؛ خللٍ يجعل التقارير الرقابية تُكتب بعناية، وتُطبع بإتقان، ويُحتفل بإصدارها، ثم تُترك لتنام على الرفوف سنوات طويلة، إلى أن يأتي شخص فيقرأها ويعيدها إلى واجهة النقاش العام.

إن بناء دولة القانون لا يبدأ بإنتاج مزيد من التقارير، بل بإرادة سياسية وإدارية تحول تلك التقارير إلى محاسبة، وإصلاح، وقرارات نافذة.

فالاحتفال بالتقارير لا يصنع رقابة، ونشرها لا يكفي لمحاربة الفساد، أما الإصلاح الحقيقي فيبدأ عندما تصبح التقارير وثائق عمل لا وثائق أرشيف، وعندما تتحول الملاحظات إلى مساءلة، والتوصيات إلى أفعال، لا إلى 

احتفالات.