المقام العراقي يتصدر أمسيات الهيبودروم في مهرجان جرش

في امتدادٍ لرسالة مهرجان جرش للثقافة والفنون التي تحتفي بالموروث الإنساني، يواصل مسرح الهيبودروم تقديم أمسيات عربية تستعرض تنوع الثقافات والهوية الفنية للشعوب، من خلال الموسيقى والرقصات الشعبية والغناء التراثي، في مشهد يجسد قيم التبادل الثقافي ويحافظ على الذاكرة الفنية العربية.
وبحضور رئيس اللجنة العليا لمهرجان جرش، وزيري الثقافة، مصطفى الرواشدة، والسياحة والآثار، المهندس عماد حجازين، وأمين عام وزارة الثقافة الدكتور نضال الأحمد، والمدير التنفيذي لمهرجان جرش يزن الخضير، ومدير آثار جرش الدكتور محمد الشلبي، ومدير سياحة جرش ثائر العياصرة، واصل مسرح الهيبودروم أداء رسالته الثقافية في استضافة العروض العربية، مقدماً منصة تحتفي بالموروث الفني والشعبي، وتعزز حضور الفنون التراثية بوصفها جسراً للتواصل الثقافي بين الشعوب، ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون.
واستحضرت فرقة روائع التراث السورية جانباً من الإرث الفني السوري، من خلال عرض غني جمع بين الرقصات الشعبية والموسيقى التراثية، إلى جانب الفن الحلبي، أحد أعرق مدارس الغناء العربي المنبثقة من مدينة حلب، بما يحمله من قيمة فنية وتاريخية متجذرة في الذاكرة الثقافية السورية.
وقدمت الفرقة لوحات فنية مستعيدةً أجواء الفلكلور السوري بما يحمله من حكايات وعادات وتقاليد متوارثة عبر الأجيال، إلى جانب إبراز خصوصية الأداء الحلبي الذي يتميز بجمالياته اللحنية وعمقه الفني،وجاء العرض بوصفه نافذة على ثراء الثقافة السورية، مقدماً صورة متكاملة عن أصالة هذا الموروث وحضوره المتجدد، وسط تفاعل لافت من جمهور مهرجان جرش.
وقدم كورال "كان" التابع لجمعية كان الثقافية الأردنية أمسية غنائية اعتمدت على الأداء الجماعي، وتضمنت مختارات من الأغنيات الوطنية والتراثية والإنسانية، في تجربة أبرزت جماليات الغناء الكورالي، وقدرته على التعبير عن الهوية الثقافية من خلال تناغم الأصوات وتكاملها.
واختتمت أمسية الهيبودروم بعرض مميز لفرقة فن المقام العراقي، التي أعادت إلى الجمهور أحد أعرق الفنون الموسيقية في العالم العربي، بمشاركة عشرة فنانين، يتقدمهم مطرب المقام العراقي الدكتور حسين الأعظمي، وتضمن البرنامج باقة من المقامات التي اشتهرت بها بغداد والموصل وأربيل والبصرة، في تجسيد للتنوع الموسيقي الذي يميز العراق من شماله إلى جنوبه.
ويعد المقام العراقي مدرسة موسيقية متكاملة، تقوم على قواعد وأصول فنية توارثها الفنانون عبر مئات السنين، وتمزج بين الشعر العربي والأداء الصوتي والمرافقة الموسيقية في قالب يجمع بين الدقة والإبداع. ويتميز هذا الفن بتعدد مقاماته وأساليب أدائه، إذ يحمل كل مقام طابعاً لحنياً وإيقاعياً خاصاً، ويعبر عن حالات وجدانية وإنسانية متنوعة، ما جعله أحد أكثر أشكال الغناء التراثي العربي تميزاً وعمقاً.
ولا تكتمل تجربة المقام العراقي إلا بحضور آلاته الموسيقية التقليدية، التي تشكل جزءاً أصيلاً من هويته، وفي مقدمتها الجوزة والسنطور والنقارة، إلى جانب العود، وهي آلات تمنح الأداء خصوصيته الصوتية وتضفي على المقام طابعاً فنياً متفرداً، حافظ على حضوره وانتشاره عبر الأجيال.
ويمثل هذا الفن أحد أبرز رموز الهوية الثقافية العراقية، إذ ظل حاضراً في المناسبات الاجتماعية والثقافية والدينية، وأسهم في حفظ جانب مهم من الذاكرة الموسيقية للعراق، حتى غدا إرثاً فنياً يحظى بتقدير واسع في الأوساط الثقافية العربية والعالمية، ويستقطب اهتمام الباحثين وعشاق الموسيقى التراثية لما يحمله من أصالة وثراء فني.
وبين أنغام المقام العراقي، وإيقاعات الفلكلور السوري، وأصوات الكورال الأردني، رسمت أمسيات الهيبودروم لوحة عربية نابضة بالأصالة، جسدت ثراء الموروث الثقافي، ورسخت مكانة مهرجان جرش منصةً للحوار الثقافي والاحتفاء بالإبداع العربي، عبر تجربة فنية تجمع بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر.















