ثقافة النجاة..وكيف أنجو..؟!!!

بقلم الدكتورة ريما الشهوان
لماذا أصبح الإنسان يبحث عن السلامة أكثر من الحقيقة؟
لم تعد المعضلة الكبرى في مجتمعاتنا هي غياب الحقيقة، بل تراجع الاستعداد لدفع ثمنها. فالكثير من الناس يعرفون الصواب، لكنهم يقفون على مسافة آمنة منه؛ لا ينكرونه، ولا ينتصرون له، وكأن المجتمع أعاد تشكيل الضمير الإنساني ليصبح السؤال الأول: كيف أنجو؟ لا: كيف أكون صادقًا؟
وهذا التحول لا يولد فجأة، بل ينمو داخل البناء الاجتماعي نفسه. ففي علم الاجتماع، لا تتغير المجتمعات بالقوانين وحدها، وإنما بالثقافة التي تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى تتحول إلى سلوك يبدو طبيعيًا. وحين تصبح السلامة قيمة اجتماعية أعلى من المبدأ، ينشأ جيل يتعلم منذ صغره أن الصمت أكثر ربحًا من الكلمة، وأن المجاملة أقصر طريق إلى القبول، وأن الانسجام مع الجماعة أهم من الانسجام مع الضمير. وهكذا تتكون ثقافة كاملة لا ترى في الحقيقة قيمة أخلاقية، بقدر ما تراها مخاطرة ينبغي تجنبها.
ومع مرور الزمن، لا يبقى أثر هذه الثقافة في المجتمع فحسب، بل ينتقل إلى أعماق الفرد. فهي لا تُفرض بالقوة، وإنما تتسلل بهدوء إلى النفس. تبدأ بابتسامة في وجه ما لا نقتنع به، ثم بصمت عن موقف كان ينبغي أن يُقال فيه الحق، ثم بتبرير الخطأ حفاظًا على العلاقات، حتى يصبح الإنسان غريبًا عن صوته الداخلي. وعندها لا يعود يخشى الناس فقط، بل يخشى أن يكون مختلفًا عنهم، لأن الحاجة إلى القبول أصبحت أقوى من الحاجة إلى الصدق.
ومن هنا يأتي تفسير علم النفس لهذه الظاهرة؛ فالإنسان لا يخاف الحقيقة بقدر ما يخاف نتائجها. إنه يخشى خسارة مكانته، أو نظرة الآخرين إليه، أو انقطاع مصلحة، أو فقدان انتماء. ولذلك يميل العقل إلى اختيار الطريق الأقل كلفة، حتى لو كان أثقل على الضمير. غير أن الضمير لا ينسى ما سكت عنه صاحبه؛ فهو يؤجل الحساب، لكنه لا يلغيه، ويبقى في أعماق القلب شاهدًا لا يقبل الرشوة، ولا يعرف المساومة.
غير أن الإيمان يأتي ليعيد ترتيب الموازين التي اختلت. فهو لا ينظر إلى الموقف بمنظار الربح والخسارة، وإنما بمنظار الأمانة والعبودية لله. فالمؤمن لا يقيس المواقف بما يخسره أمام الناس، بل بما يربحه عند الله. ولهذا لم يكن القرآن يصنع أتباعًا يبحثون عن السلامة، بل رجالًا ونساءً يحملون الأمانة. قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا… وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾. والأمانة ليست ألفاظًا تزين المجالس، بل مواقف تثقل الميزان يوم القيامة.
ولهذا لم يكن الصالحون أكثر الناس راحة، وإنما كانوا أكثرهم طمأنينة. وهناك فرق دقيق بين الراحة والطمأنينة؛ فالراحة قد يمنحها الابتعاد عن المواقف، أما الطمأنينة فلا يمنحها إلا الصدق مع الله. قد ينام الإنسان على فراش وثير، لكنه يعجز عن إسكات قلبه إذا خان قناعته، وقد يبيت مهمومًا بعد موقف حق، لكن قلبه يشرق بسكينة لا يملكها من باع نفسه من أجل لحظة أمان.
ولذلك ربّى الإسلام الإنسان على أن تكون مراقبة الله أسبق من مراقبة الناس، وأن يكون صلاح السر أعظم من حسن الصورة أمام الخلق. فإذا استقرت هذه المعاني في القلب، لم تعد الحقيقة عبئًا، بل صارت عبادة، ولم يعد الصدق بطولة مؤقتة، بل أصبح هوية يعيش بها الإنسان. ومن أبلغ ما يجسد هذا المعنى قول النبي ﷺ: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة». فالصادق لا يبلغ الجنة بخطوة واحدة، وإنما بسلسلة طويلة من المواقف التي آثر فيها رضا الله على رضا الناس.
ومن هنا ندرك أن المجتمعات لا تنهار عندما يكثر فيها الكاذبون فحسب، بل عندما يكثر فيها الصامتون عن الحق. فالباطل لا يحتاج دائمًا إلى من يدافع عنه، بل يكفيه أن يتراجع أهل الحق خطوة، وأن يختاروا النجاة الفردية بدل المسؤولية الجماعية. وعندها يختل ميزان القيم؛ فيصبح صاحب المبدأ متشددًا، وصاحب المصلحة حكيمًا، ويُكافأ الصمت أكثر مما تُكافأ الشجاعة.
ويبقى السؤال الذي يواجه كل إنسان في خلوته قبل أن يواجهه يوم القيامة: ما الذي كنت أحرسه حقًا؟ مكانتي بين الناس، أم مكاني عند الله؟ فليس أعظم الخسران أن يخسر الإنسان موقفًا، وإنما أن يخسر نفسه وهو يظن أنه نجا.
فالإنسان قد ينجو من مواجهة الناس، لكنه لا ينجو من مواجهة قلبه، ولا من الوقوف بين يدي ربه. وهناك، حيث تسقط الأقنعة، وتغيب الأعذار، وتتكلم السرائر، لن يكون السؤال: كم مرة سلمت؟ بل: كم مرة صدقت؟ لأن الحقيقة التي ابتُغي بها وجه الله لا تضيع، وإن تأخر انتصارها، ولا يخذل الله صاحبها، وإن طال طريقه.


















