+
أأ
-

العين حسين الحواتمة : إدارة الدولة زمن الذكاء الاصطناعي: لا نُضحّي بالخبرة ولا نُقصي الشباب

{title}
بلكي الإخباري

الدولة الأردنية لا تعاني ضعفاً في التخطيط. وثائقها ورؤاها الوطنية شهادةٌ على عقلٍ تخطيطي ناضج. المشكلة ظلّت دائماً في المسافة بين الخطة والتنفيذ، وفي قدرة الجهاز الإداري على استيعاب ما يُكتب له ثم ترجمته إلى أثرٍ ملموس. واليوم، مع اندفاع موجة الذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي، تتعاظم مخاطر هذه المسافة بدل أن تتقلّص.

 

الخطر الأول أن يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى ذريعةٍ لإحلالٍ سريع، فتُستبعد خبراتٌ بُنيت عبر عقود بحجّة أنها «لا تواكب». والخطر الثاني — وهو نقيضه تماماً — أن يُقصى جيلٌ جديد يمتلك أدوات العصر بحجّة أنه «بلا خبرة». وكلا الخطرين يُفرغ الدولة من أهم مخزونٍ استراتيجي تملكه: رأسمالها البشري، الذي لم يبنِ الأردن وحده، بل أسهم في نهضة دولٍ كثيرة من حولنا.

والحقيقة التي تُغفل كثيراً: الذكاء الاصطناعي — حتى هذه اللحظة — أداةٌ في دائرة التخطيط أكثر منه واقعاً تنفيذياً. لا يمكن الإفادة منه دون تنفيذٍ صحيح، والتنفيذ الصحيح لا يصنعه إلا من يعرف تضاريس الميدان ومؤسساته وقوانينه. وبغير ذلك تبقى الخطط طيّ الأدراج، أو يتعثّر تطبيقها في منتصف الطريق. التقنية لا تُعوّض الحُكم المؤسسي؛ إنها تُضاعفه إن وُجد، وتُضاعف الفوضى إن غاب.

المطلوب تفكيرٌ استراتيجي يُتيح دخول الكفاءات الجديدة بسلاسة، دون فراغٍ أو تعثّر في الانتقال. وأقترح خمسة محاور:

المحور الأول: نقل الثقل من إنتاج الخطط إلى هندسة التنفيذ. أن تُقاس المؤسسات بما نُفّذ لا بما أُعلن، وأن يكون لكل خطة كبرى مالكٌ تنفيذي واضح، وجدول زمني، ومؤشرات أثرٍ لا مؤشرات نشاط.

المحور الثاني: الفرق المزدوجة. مجموعات عمل في كل جهة تجمع أصحاب الخبرة بالكفاءات الشابة، لا كلجانٍ شكلية بل كفرقٍ مسؤولة عن مخرجات محدّدة؛ الخبرة تقرأ المخاطر وتفتح الأبواب، والجيل الجديد يقرأ الأدوات ويُسرّع الإيقاع.

المحور الثالث: الانسحاب التدريجي المُجدول. أن يكون خروج الخبرات — لبلوغ السن أو لظروفٍ أخرى — مُخطّطاً مسبقاً لا مفاجئاً، مع فترة تداخلٍ زمني بين السلف والخلف تُنقل فيها المسؤولية على مراحل، لا بقرارٍ في يومٍ واحد.

المحور الرابع: حفظ الذاكرة المؤسسية. توثيق المعرفة غير المكتوبة — تلك التي يحملها المسؤول في رأسه لا في ملفاته — وإنشاء بنك خبراتٍ وطني يُبقي المتقاعدين في موقع الاستشارة والتدريب، فالخبرة التي تخرج من الباب دون توثيق خسارةٌ لا تُعوَّض بالتعيين.

المحور الخامس: التأهيل المتبادل. تمكين أصحاب الخبرة من أدوات العصر عبر برامج جادّة لا رمزية، وتمكين الشباب من فهم الدولة ومؤسساتها وتعقيداتها. المواكبة مسؤولية الطرفين، والتعلّم طريقٌ ذو اتجاهين.

إنّ المفاضلة بين الخبرة والتكنولوجيا مفاضلةٌ خاطئة من أساسها. الخبرة من دون أدوات العصر بطيئة، والأدوات من دون خبرة عمياء. والدولة التي تُحسن المزج بينهما هي وحدها التي تعبر هذه المرحلة دون أن تدفع ثمناً باهظاً من ذاكرتها المؤسسية.

الأردن يملك الخبرة ويملك الشباب. وما ينقصه ليس أحدهما، بل الهندسة التي تجمعهما في غرفةٍ واحدة