+
أأ
-

العين حسين الحواتمة : الاستثمار يبدأ من المحافظة لا من العاصمة: موازنة تُوزَّع ومسؤولية تُحاسَب

{title}
بلكي الإخباري

 

  

الفقر والبطالة في جوهرهما مشكلتان محليتان. تتوزّعان جغرافياً بصورة غير متساوية، ولا يُعالَجان بتوظيفٍ إضافي في قطاعٍ عام بلغ حدّه، ولا بمشروعٍ كبير يُفتتح مرة كل بضع سنوات، بل بمشاريع صغيرة ومتوسطة تُولد وتُدار حيث يعيش الناس.

والمشكلة الموازية أن كل قرارٍ صغير يصعد إلى عمّان. مشروعٌ متواضع في محافظةٍ طرفية ينتظر دوره خلف ملفاتٍ وطنية كبرى على الطاولة ذاتها. النتيجة ازدحامٌ في "عقل الدولة" وبطءٌ في التنفيذ، لا لأن النية غائبة، بل لأن مركزاً واحداً لا يتّسع لكل التفاصيل. وتخفيف هذا الازدحام ليس تنازلاً عن سلطة، بل استعادةٌ لقدرة المركز على التفرّغ لما هو استراتيجي.

ولسنا أمام فكرة لم تُجرَّب. فقد خُضنا تجربة اللامركزية بمجالس منتخبة، لكننا نقلنا التمثيل دون أن ننقل الموازنة، فبقي جزءٌ كبير من القرار في المركز، وجاءت النتائج دون ما كان مرجوّاً منها. والتوقيت اليوم مواتٍ لتصحيح المسار: فقانون الإدارة المحلية الجديد يُعيد تعريف مجالس المحافظات بوصفها منصّات للتخطيط التنموي والاستثماري، ويُدخل مفهوم الموازنة التشاركية. وهذا يلتقي مع رؤية التحديث الاقتصادي، ومع مخرجات التحديث السياسي في ربط التمثيل بالمسؤولية. المطلوب ليس فكرة جديدة، بل آليةُ تطبيقٍ لفكرةٍ أقرّتها الدولة. وأقترح مسودة خطة من ستة محاور:

المحور الأول: معادلة توزيع تُدرَس وتُعتمد قبل التخصيص. لا يُوزَّع دينارٌ واحد قبل إقرار معادلة علنية تجمع بين عدد السكان، والمساحة وكلفة إيصال الخدمة فيها، ودرجة الحرمان، والطاقة الاستيعابية للتنفيذ. المعادلة المعلنة تُغلق باب التخصيص بالعلاقات، وتنقل الجدل من "لماذا أخذ غيرنا؟" إلى "هل المعيار صحيح؟" - وهو جدلٌ صحّي يُحسم بالبيانات لا بالنفوذ.

المحور الثاني: حصة الحكومة أولاً، ثم التوزيع. تُقتطع أولاً مخصّصات الحكومة بما يغطّي واجباتها ومسؤولياتها السيادية، وما يتبقّى هو المبلغ الخاضع للمعادلة. بهذا الترتيب لا تتحوّل اللامركزية إلى عبءٍ على التزامات الدولة، ولا تصبح المحافظات رهينة عجزٍ لم تصنعه.

المحور الثالث: من ينتخبه المواطن هو من يخطّط ويقرّر. المجلس المنتخب يُقرّ أولويات محافظته ومشاريعها ضمن سقف مخصّصاتها، والجهاز التنفيذي ينفّذ ما أُقرّ ولا يقرّره، والحكومة في العاصمة تُوجّه وتراقب وتصحّح وتحاسب - لا تخطّط بالنيابة. هذا الفصل بين من يقرّر ومن ينفّذ ومن يراقب هو جوهر المعادلة؛ وبدونه تبقى المجالس واجهةً استشارية بلا سلطة.

المحور الرابع: تنسيقٌ لا تقاطع بين المحافظ والمجلس والبلدية. لكلٍّ من هذه الأطراف دورٌ لا يُغني عنه غيره: المجلس المنتخب يُقرّ أولويات المحافظة، والبلدية تنفّذ ما يقع ضمن نطاق خدماتها وحدودها، والمحافظ يمثّل سلطة الدولة في الرقابة والتصحيح، بالتنسيق مع الحكومة المركزية في عمّان عند الضرورة. ويُنظّم ذلك بمصفوفة صلاحيات مكتوبة تُحدّد في كل مشروع من يُقرّ ومن ينفّذ ومن يراقب، وباجتماعٍ تنسيقي دوري يُعالج التقاطع قبل أن يتحوّل إلى تعطيل. وحين تكون الأدوار مكتوبة تصبح المحاسبة عند أي إخفاق ممكنةً وعادلة: كلٌّ يُسأل بقدر صلاحيته والدور المعطى له، لا بقدر موقعه.

المحور الخامس: تمويلٌ محلي يخلق مشاريع لا وظائف. تُخصَّص حصة من مخصّصات كل محافظة لتحفيز المشاريع الصغرى والمتوسطة، على أن يكون مال الدولة ضامناً أو محفّزاً للتمويل الخاص لا بديلاً عنه، ويُرافقه شبّاكٌ واحد للترخيص داخل المحافظة وحاضنةٌ تسند الإدارة والتسويق والمحاسبة. فالمشروع الصغير نادراً ما يموت لغياب المال وحده؛ يموت لغياب من يُديره بعد أشهره الأولى.

المحور السادس: تدرّجٌ مربوط بالأداء، ومحاسبةٌ في الاتجاهين. يبدأ التحويل بحصةٍ محدودة من الإنفاق الرأسمالي تتوسّع وفق أداء كل محافظة لا وفق جدول زمني جامد؛ فمن يُنجز يستحقّ حصةً أكبر، ومن يتعثّر يحصل على دعمٍ فني قبل أن يحصل على مالٍ إضافي. ويُرافق ذلك مؤشرات أداء تُنشر، وتدقيقٌ من ديوان المحاسبة، وحقٌّ واضح للحكومة في التدخّل التصحيحي بمعايير معلنة مسبقاً لا بقرارٍ تقديري.

ويبقى ما هو استراتيجي- المياه والطاقة والنقل والبنية التحتية الكبرى - واجباً على الحكومة ومن مخصّصاتها. فاللامركزية توزيعُ قرارٍ لا تفتيتُ دولة، والخلط بين المستويين أسرع طريقٍ لإفشالها.

قد يُقال إن هذا كلّه يحتاج دراسات. وهو صحيح، لكنها دراسةُ سنةٍ واحدة تختصر على البلد سنواتٍ من المحاولة والتصويب. والأثر الأبعد سياسي بقدر ما هو اقتصادي: حين يعلم المواطن أن المجلس الذي ينتخبه يملك موازنةً حقيقية ويقرّر مشاريع يراها أمام بيته، يتغيّر سلوكه الانتخابي، وتتغيّر معه نوعية من يترشّح ومن يُنتخب. المشاركة لا تُستجدى بالحملات، بل تُشترى بالصلاحية.

ومعيار النجاح في النهاية بسيط: كم مشروعاً وُلد في المحافظة هذا العام، لا كم اجتماعاً عُقد في العاصمة